المغربية المستقلة : أيوب نصر
دائما ما كنت أقول، إن الصراع القائم اليوم هو صراع مناهج، وأن الذي يملك أن يبسط يد منهجه، هو الذي سيملك أعنة العالم ويتحكم به ويملي عليه، كما أني أومن، إيمانا جازما، أنه لا يمكن فصل العقيدة السياسية والعقيدة الدينية والعقيدة الأدبية، عن بعضهم، و ذلك أن السياسة فكر، والفكر يدخل فيه ما هو ديني و ما هو ادبي، ولا يوجد فكر إلا و فيه شيء من معتقد صاحبه الديني،فكل صاحب فكر إنما يصدر فكره عن دينه ومعتقداته وآداب أمته وأعراف بلاده، ولأجل هذا كنت، ولازلت، أنقم على مفكرينا ومثقفينا، ركونهم إلى الراحة، وعدم إعمال فكرهم وبدل جهدهم، في إنتاج مناهج تليق بنا، وفق ما تقتضيه أصول الفكر لدينا، وقد نشر لي قبل أيام مقال عنوانه: “مناهج سياسية وليست منهجا واحدا”، قلت فيه: “لهذا فإنه يجب على الدول العربية إعادة النظر في المنهج السياسي المعتمد عندهم، و أن على مفكريننا و مثقفينا ألا يهيموا على وجوههم في قبول مناهج سياسية غربية لأنها في النهاية تقوم على عقيدة تلك الدول، وهي لا تليق بنا، وفي أحسن الأحوال ستبقينا تبعا للغرب، و أن عليهم بدل ذلك أن يعملوا عملهم و يحرصوا جهدهم، في استنباط سياسات تليق بنا وفق معتقدات المنطقة و لغتها و تاريخها و آدابها و علومها، فالسياسة مناهج عديدة متعددة تقوم على المعتقد و اللغة و الثقافة، وليست منهجا واحد”.
و لأجل تلك التبعية قام الصراع بين المناهج، وقد استعمل، لأجل فرض المناهج الغربية، طرق عديدة وأساليب متنوعة، فتارة بالغصب، وتارة بالتدليس والإيهام، و قد كان لميدان الأدب ، القسط الوافر، وذلك لتأثيره في العقل، ومساهمته في وضع منهج التفكير، ولمن نظر في عهد البعثات الطلابية التي أرسلت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، سيجد أن الأغلبية الكثيرة والسواد الأعظم منها، إنما كله وجه إلى الدراسات الأدبية خصوصا، أو ما يعرف اليوم بالعلوم الإنسانية عموما، فاستغل الأدب لتغليب المناهج الغربية وما تحمله في طياتها وما تقوم عليه من ثقافة غربية، و ما ذلك كله، إلا لأجل الحفاظ على التبعية الفكرية، و منها السياسية، للعالم الغربي و ذلك لما في الأدب والدراسة الأدبية من دور كبير في صناعة الفكر، فاذا تبنيت منهج صناعة فكر معين، كنت دائما تابعا لصاحبه خاضعا له.
و لعلك تنصفني وتصدق كلامي، اذا أكدته لك من كلام أحد رجال الإستشراق، و هو ويلفريد بلانت، صاحب كتاب “مستقبل الإسلام”، و الذي يقول فيه: “أن مركز الخلافة الإسلامية يجب أن يكون مكة وأن الخليفة في المستقبل يجب أن يكون رئيسا دينيا، لا ملكا دنيويا” ثم يقول: “و إن الخليفة كهذا يكون بالطبع محتاجا لحليف ينصره ويساعده، وما ذلك الحليف إلا إنكلترا، وقد نقلت هذا عن كتاب “المسألة الشرقية” لمصطفى كامل، والمستر بلانت في كل هذا إنما يعبر عن أحلام قومه، فيقدم لك منهجا مبتدعا هجينا بين ثقافتين مختلفتين، و يريد جمعهما على تناقضهما، وتوحيدهما على اختلافهما، حتى يحارب منهجهك ويزيله، و في الوقت نفسه يحافظ على تبعيتك وخضوعك لقومه، و يقف دونك و دون البحث في ثقافتك وآدابك وعقائدك، كما أن كلامه أوضح في الدلالة، وصريح في البيان، في رغبته أن يسود قومه و يحكمون.
و الذي صرح به “ويلفريد بلانت” قديما، هو نفسه الذي نسمعه اليوم، من دعاوى فصل الدين عن السلطة، وهذا ضرب من الخبل، لا يقبله أذكياء العالم، و لا عقلاء بني آدم، و ذلك للسبب الذي قدمناه في بداية هذا المقال، من أن السياسة فكر، وكل فكر إنما هو نتاج معتقد ديني، ووليد معتقد أدبي، فإذا فصلنا السياسة عن المعتقدات، إنما نفصلها عن الفكر، والمناهج السياسية كلها تحركها المعتقدات المختلفة، فكل كلام أو فكر أو رأي أو منهج، إلا وفي شيء من نفس صاحبه، فلا يمكن بحال فصل المعتقد السياسي والديني والأدبي عن بعضهم البعض.
و لهذا فإن الصراع في الأساس هو صراع مناهج، ومن العبث في الفكر، أن نهيم في قبول أي منهج سياسي أو تعليمي أو غيرهما، دون عرضه للنقد، والنظر في أحواله حتى نعرف اذا ما كان يوافق مناهجنا و ثراتنا، ومن غير أن ننظر في مآلاته، حتى نتبين الأهداف من ورائه.
و دعني أنقل إليك كلاما آخر يعزز ما ذهبت إليه من عدم إمكانية فصل ما هو سياسي عن ما هو أدبي وديني، و هو كلام للورد كلومر المقيم الإنجليزي في مصر، حيث يقول في كتابه “مصر الحديثة” ، “فهناك فرق بين المتحررين في أوروبة ومن تطلق عليهم هذه التسمية في مصر، فأحرار التفكير الأوروبيون منسجمون مع من حولهم من المسيحيين ولا يعادونهم، بل هم لا يخنلفون عنهم في أسلوب حياتهم و تفكيرهم العملي، أما الذين يسمون أنفسهم أحرار التفكير في مصر، فهم يختلفون مع بني جلدتهم من المتدينين و يحتقرونهم، ولا يدركون المدنية الغربية إلا إدراكا سطحيا” إنتهى كلام اللورد، و كلام صريح واضح لا يشتبه، في أنه لا يمكن الفصل بين تلكم المكونات، لأنها داخلة كلها في منهج التفكير، فانظر قوله: “بل هم لا يختلفون عنهم في أسلوب حياتهم و تفكيرهم العملي”، وكل تفكير عملي فهو نتاج تفكير علمي، فالأعمال لا تقوم إلا على معتقدات.
و يقول اللورد أيضا في المتفرنجين: ” لم يتشربوا روح الحضارة الأوروبية ولم يدركوا إلا قشورها، وهم بذلك قد فقدوا أحسن ما في الإسلام وأحسن ما في المدنية الأوروبية”، وقد صدق، فلو كانوا حقا أدركوا معاني الحضارة الغربية، و المدنية الأوروبية، لعلموا أنها بنيت على معتقدات القوم ثقافتهم و تاريخهم، ويكفي في بيان ذلك، أن ما يسمونه “الديمقراطية” و مقوماتها، أنه منهج قديم غاية في القدم، و هذا مما يعلمه طلبة السلك الثانوي.
و من الأساليب التي إتخذها صراع المناهج أيضا، وهو أسلوب خبيث قبيح، بعيد كل البعد عما يسمى ” حوار الحضارات” و”حوار الأديان”، وإن كانت هذه المسميات هي الأخرى تنطوي في الغالب على التضليل، وإنما يهدف إلى بسط السيطرة على العقول، حتى تنسجم مع المناهج الغريبة عنها والواردة عليها، نجد ما جاء في مقدمة كتاب “القرآن في سياقة التاريخي”، وهو خلاصة مؤتمر أقيم في هولندا، جاء فيه “…. إنها تعكس تبصرا في أن ظاهرة التفجير الإسلامي الحديثة تضرب جذورها مع قراءة خاصة للقرآن ( أي قراة المسلمين له ) وأن طريقة التعامل مع الأزمة الجارية في العلاقات مع المسلمين هي ببساطة أن تكذب قراءة كهذه (أي و تاتيهم بقراءة جديدة أو تجعلهم لا يفهمون لغة القران ) ، أن القران في الفكر الشعبي قنبلة مؤقتة تحتاج الى نزع الفتيل”انتهى.
و لأن المعتقد السياسي يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقد الديني، كما أسلفنا، ولا يمكن بحال من الأحوال الفصل بينهما، فإن صراع تغليب المناهج الورادة، لا يمكن تحقيقه إلا بصنع وإحداث معتقد ديني يوالم المنهج الوارد، و هذا ما انعقد لأجل ذلك المؤتمر سنة 2005.
كما أن كل عقيدة دينية و أدبية، فهي تلعب فيها اللغة دورا مهما، فاللغة هي الرابط الاساسي بين مكونات الفكر، و لهذا قال العلماء والمفكرون قديما، في مناقشتهم للمنطق الغربي، فيما معناه “أن المنطق الغربي أكثره غير نافع و قليله النافع لا حاجة لنا به”، و ذلك لما توفره اللغة العربية من منطق بياني، يجعلنا في غناء عن القليل النافع في المنطق الغربي.
و أنا في كل هذا وذاك، من هذا المقال غير المفصل ، لا أدعو إلى رفض المناهج الغربية، وإنما أدعو إلى عدم قبولها بالتسليم وخضوع لها، كأنها مسلمة من المسلمات العقلية أو بديهية من البديهيات الفكرية، دون أي أدنى حظ من النظر أو قسط من النقد، فتجد الواحد منا يدعو إلى الجديد من المناهج، وفي الوقت نفسه يدعو إلى الديمقراطية، وهي نظام قديم غاية في القدم.
إن على مثقفينا ورجال الفكر منا، أن يعملوا عملهم و يجدوا جهدهم، في التصدي لهذا الصراع، و أن يكونوا حصنا منيعا أما دعوات تغليب المناهج الواردة، سواء في السياسة أو التعليم أو الإجتماع، لا أن يقفوا موقف التسليم والخضوع والقبول والذل، لكل ما هو وارد من المناهج، و ذلك أن الصراع المنهجي إنما هو صراع الغلبة على العقل، و تغليب نمط تفكير على آخر.
كاتب مغربي, باحث في العقائد و المدارس الفكرية، و الاستشراق
nasrayoub2@gmail.com

