زلزال الوجوه الثقيلة ومعركة الـ25 جماعة: كيف أصبحت الانتخابات البرلمانية بسيدي بنور صراعاً حول كسر العظام؟

المغربية المستقلة  :  بقلم رفيق خطاط ناشط سياسي

​لم تعد الانتخابات البرلمانية المقبلة بإقليم سيدي بنور مجرد محطة سباق عادي ونزاع تقليدي حول أربعة مقاعد تحت قبة البرلمان؛ بل تحولت إلى معركة حقيقية وحرب تكسير عظام تتجاوز كل السسيناريوهات الكلاسيكية. هذا التوتر الصامت الذي يسبق العاصفة لا يعود فقط لتعقد التكتيكات الانتخابية، بل لدخول منافسين أشقياء ووجوه ثقيلة الوزن السياسي والمالي، استُنفرت فيها كل الأسلحة المتاحة، وجعلت الخريطة السياسية لدكالة تعيش على وقع إعادة هيكلة شاملة وغير مسبوقة.
​إن التحدي الأكبر يكمن في دخول صقور الانتخابات وحيتانها الكبار إلى حلبة التنافس؛ أسماء تزن ذهباً في التعبئة، وتتمتع بـ”ماكينات” انتخابية تشتغل بدقة وسرعة فائقتين. هؤلاء المتنافسون الأشداء يمتلكون قدرة رهيبة على تجنيد الكوادر، وتحريك الرساميل السياسية، وتوظيف نفوذهم الشبكي عبر جغرافيا الإقليم. بين قادة محليين يتسلحون بسنوات من التجربة في تدبير المجالس الترابية، وبين وجوه بارزة تحظى بالدعم المركزي والتزكيات القوية، تتجلى حقيقة واحدة: لا مجال للأخطاء التكتيكية، لأن خطأً واحداً قد يعني الخروج النهائي من المشهد.
​وسط هول هذه المواجهة بين العمالقة، تشتتت الرهانات وانقسمت المقاربات. هناك من يعول على القوة الناعمة والصلبة لرؤساء الجماعات الحاضرين في المشهد، وهناك من يستهدف اختراق المجالس من الداخل عبر الأغلبية والمعارضة من المستشارين الجماعيين. وفي الوقت ذاته، يسعى فريق آخر إلى إعادة تجميع القواعد الحزبية المشتتة وتجنيد “المرشحين الحاصلين على المراتب الثانية” الذين يمتلكون ذخيرة من الأصوات لم تُستغل في الاستحقاقات السابقة، بينما يراهن المحافظون على الثقل العائلي وأعيان القبائل، ويتحرك آخرون في كواليس شبكات الفاعلين الجمعويين والتكتلات القروية.
​غير أن حسابات الحقل غالباً ما تصطدم بالواقع الميداني، فالواقع الرقمي للإقليم يفرض منطقاً مختلفاً؛ سيدي بنور التي تضم أكثر من 451 ألف نسمة وتتوزع جغرافيتها على مساحة شاسعة تنقسم ديمغرافياً وهيكلياً بين مركزين حضريين و23 جماعة قروية تضم أكثر من 80% من ساكنة الإقليم. الرهان حصرياً على القلاع الكبرى كبلدية سيدي بنور بحمولتها السكنية أو الزمامرة، أثبت عقمه السياسي أمام منافسين قادمين بأجندات التمدد الشامل.
​إن المعادلة الرياضية الحاسمـة التي يدركها القلائل من صناع الخريطة الانتخابية هي: من أراد المقعد فليحصد الـ25 جماعة. المنافس القوي الحقيقي لا يبحث عن اكتساح جماعة أو جماعاتين بآلاف الأصوات ثم الصفر في باقي المناطق، بل يخوض معركة “النملة”: انتزاع 200 إلى 500 صوت في كل نقطة ترابية، من أقصى مطران وأولاد سبطة، مروراً بأولاد عمران والعطاطرة والوليدية، وصولاً إلى سانية بركيك والغربية وكودية بني دغوغ. تجميع هذا السيل الناعم من الأصوات الموزعة هو الذي يبني الكتلة الصلبة التي تعبر بحاملها إلى خط النهاية بنجاح.
​وما يرفع درجة الخطورة إلى مستويات قياسية في هذه الدورة بالذات هو تقاطع صراع “الوزن الثقيل” مع شبح العزوف الانتخابي. في ظل وجود كتلة ناخبة قروية تشكل الأغلبية المطلقة ومخاوف جدية من تراجع نسب المشاركة، تصبح الأرقام دقيقة وحاسمة بشكل لا يرحم. عندما تنخفض نسب التصويت، يسقط الاعتماد على القاعدة الجماهيرية العامة، وتتضاعف قيمة “الصوت المعبأ تنظيماً”. في هذه الحالة، فإن الفائز لن يكون بالضرورة الأكثر شعبية، بل الأكثر قدرة على توجيه كتلته الناخبة إلى صناديق الاقتراع يوم الاقتراع بحس حرفي.
​إنها معركة لا تقبل أنفاساً قصيرة؛ فوجود منافسين كبار يملكون النفس الطويل والرساميل السياسية الضخمة، بالتوازي مع خريطة مقسمة على 25 جماعة ترابية وظل العزوف المخيف، يجعل من الانتخابات القادمة بسيدي بنور مباراة شطرنج معقدة، لن ينجو فيها إلا من جمع بين دهاء الحسابات الرقمية، وقوة الانتشار الترابي، وشراسة التنافس الميداني إلى آخر دقيقة.

Loading...