المغربية المستقلة: بقلم جمال اكاديري كاتب وباحث
مند صار فيروس كورونا ، أسما متواترا على شفاه الجميع ، و حاضرا بكثافة في مواضيع النقاش اليومي ، وفي الاخبار المتفرقة المتدفقة عبر القنوات الإعلامية ، بدأ شيئا فشيئا ، يتبلور الأمل في إيجاد لقاح محتمل ينسف اضرار covid19 داخل كواليس المنتظم العلمي ، ويتصاعد النداء للخروج من الأزمة الصحية العالمية ، في عجالة مع ضرورة استدعاء ذوي الخبرة الطويلة في مجال محاربة الفيروسات ، وهكذا تردد اسم كفاءة و خبير عالمي في الأوبئة ، كانت تتنافس على تنصيبه قياديا، كبريات شركات صناعة الأدوية من مدة طويلة د انه المغربي الأصل والأمريكي الجنسية البروفيسور منصف السلاوي .
وعلى الرغم ، من أنه كان اسما مجهولا في بلده الاصلي المغرب د الا أن هذا الخبير في صناعة اللقاحات ،تمكن في مساره المهني الطويل ، الذي يمتد إلى أكثر من عشر سنوات ، من حصد الإعجاب وتقدير كل الجهات المشتغلة في ميدان صناعة الأدوية ، و حصل كذاك حتى على إصغاء المساهمين المستثمرين في البورصات ، عند إلقاء عروضه في المنتديات لتمويل أبحاث المختبرات المتعاقدة معه ؛ فأضحت اكبر قوة عالمية مقتنعًة الآن ، بأنه ربما هو الذي بإمكانه قيادة فريق عمل متخصص ، لصنع السلاح الكيماوي القادر على القضاء نهائيا على الفيروس الخبيث كورونا ، لدرجة أن البعض في محيط الرئيس الامريكي صاروا يعتبرونه “المنقذ” الجديد لامريكا من كارثة صحية صارت بسبب نسبة الوفيات المرتفعة ، على وشك أن تهدم النظام الوقائي برمته في جموع ولايات أمريكا.
فعيّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً ، قبل البارحة في البيت الأبيض ، في منصب المدير العلمي لعملية “Warp Speed” ، بهدف إعداد صناعة “لقاح سريع” يقضي على انتشار Covid-19 “بسرعة كبيرة”.
واعتبرها مشروعا علميا وصناعيا ولوجستيكيا عملاقا ، ستشرف على ادارة نطاق واسع ، لم تعرف مثله أمريكا منذ مشروع مانهاتن ” والاكيد وهنا ان ترامب يلمح إلى إمشروع اعادة بناء برجي أحداث 11 سبتمبر.
لكن بعد ساعات من هذا التعيين المفاجئ ، الذي انتشر خبره وصوره كالنار في الهشيم ، في دول شمال إفريقيا والمشرق ، تحولت ايقونة الخبير منصف السلاوي ، إلى فريسة هوس هوياتي لدى شرائح كبيرة من رواد المنصات الافتراضية ، الذي سقط اغلبهم في التنابز والتجاذب والسجال حول حقيقة زاوية انتمائه هل هو عربي مسلم أم مغربي أمازيغي أم مواطن عالمي إلخ
فكيف نفسر هذا الانبهار المفاجئ والغامض قليلا ما ؟
او ربما السؤال بصيغة أخرى هو كيف ينتقل المرء إلى حركة جماعية تتبنى إجماعا رمزيا موحدا على أهمية شخصية بعيدة عن مناخها الثقافي والعلمي ؟
نعرف الآن و من خلال الشبكات الاجتماعية التي تسرع مزيدا في وتيرة نقل المعلومات ، كيف صار يتشكل الإجماع العاطفي حول شخصية مرموقة ويتحقق بسرعة في مجال ما ، حتى لو كان بعيدا عن اهتمام الناس.
لأن هذه الأخيرة، تسمح بشكل شبه فوري ، ان تحول الدوافع الفردية ، في التماهي والحاجة الماسة لمعانقة امل ما ، يخلصها من خناق الأزمات ، إلى التشكل في موجة جماعية ، ستمتص شحنة رمزية ، من خلال حشدها بشكل مندفع و لاعقلاني ، في الآليات التي تحفز التعلق والتطابق النفسي ، ولو بجزء من سيرة شخصية ، نعلم انها ترعرعت ثقافيا وعلميا في فضاء آخر مختلف على عديد من المستويات ، كما هو الحال مع الخبير منصف السلاوي .
بالإضافة إلى ذلك ، يحتاج الناس أيضًا إلى رؤية أنهم ليسوا معزولين فمن المطمئن أن نقول لهم أن المرء فيه شيء من صورة ذلك الاخر الذي كان قريبا فيما مضى بحكم مسقط رأسه وأصوله وديانة أجداده و صار يبدو الان كانه بعيد بسبب مكانته الدولية و ألمعيته العلمية في الغرب المتقدم .
فالاعتراف ، وتبني سيرة هذا الرجل ، الذي اعلاميا ، أضحى بمتابة مخلص الغرب المتقدم من رعب وباء كورونا ، هو فرصة لإعادة اكتشاف الشعور الجماعي من خلال تتبع بهوس الاخبار العالمية الوافدة حول شخصية تتحدر من جذور المنطقة، فتدرجت إلى علو مكانة استثنائية .
ما نراه هو تكرار لظاهرة معروفة عند علماء النفس
الحاجة في أوقات الأزمات ، الى منقذ ، خاصة عندما تتوالد ردود الفعل اليائسة ، من عدم قدرة كثير السلطات المحلية في المنطقة ، على حل الأزمات بطريقة جماعية ومنطقية و تواصلية ، وعدم الثقة المتكررة في وعودها مع بروز حساسية قوية للغاية إزاء الإكراه المفروض ووصايا لزوم البيوت المقيدة للحركة والتنقل ، كل هذا يؤدي إلى البحث خارج الدوائر التقليدية عن الحلول التي تتجسد في شخصية بعيدة عن هذه المناخ الخانق ، وقريبة من الوجدان الهوباتي النائم ، وهذا ما يعطي كل زخمه لانشاء أسطورة ايجابية والحفاظ لها على هالة استثنائية ،فظهر على الشاشات العالمية وجه و بريق كاريزما البروفيسور منصف السلاوي.
