المغربية المستقلة : بقلم محمد قبلي
يعيش المغاربة على وقع تناقض صارخ:من جهة، طفرة رياضية كروية وإنجازات تنظيمية عالمية يطبل لها المطبلون ويتغنى بها الاعلاميون ، وملاعب تُشيّد بملايير الدراهم، وأبراج تُلامس عنان السماء، ومهرجانات تُوصف زوراً بـ”الثقافية” تُنفق فيها ميزانيات ضخمة. كل ذلك يتم ولو برهن مستقبل الأجيال لدى صندوق النقد الدولي، باسم “الإشعاع” و”صورة المغرب”.
ومن جهة أخرى، واقع اجتماعي واقتصادي قاسٍ:
مستشفى في مدينة كتازة يفتقر إلى اطباء في كثير من التخصصات كما العجز مقارنة بنسبة الساكنة ، ومدرسة عمومية يكتظ فيها القسم باكثر من عدد التلاميذ المعتاد وشاب يحمل شهادتين يقف في طابور “المباريات”، وأم تُفاضل بين ثمن الدواء ورغيف الخبز، وشارع يُحفر ولا يُصلح، ودار للشباب مغلقة.
هنا تتجلى الهوة السحيقة بين “الكماليات” و”الضروريات”. بين الحق الدستوري في الصحة والتعليم والكرامة، وبين حق “الواجهة” في التصفيق والكاميرات.
والسؤال الحقوقي والاجتماعي هنا ليس إنكاراً لقيمة الرياضة، فالرياضة مصدر فخر. إنما السؤال: لماذا انقلب منطق الأولويات؟
لماذا يُقاس الربح السياسي بالدقيقة، وتُحسب الخسارة الاجتماعية بالسنوات؟
لماذا تكفي ميزانية ملعب واحد لبناء عشرة مراكز صحية قروية مجهزة، أو توظيف خمسمائة أستاذ، أو الرفع من الحد الأدنى للأجور؟
إن النجاح الحقيقي لأي تظاهرة كونية، لأي “إنجاز”، لا يقاس بعدد الكاميرات التي نقلته، بل بعدد المواطنين الذين شعروا أن كرامتهم قد ارتقت معه.
النجاح الحقيقي هو حين يصبح “مغرب مونديال 2030” هو ذاته “مغرب المستشفى الذي يجد فيه المريض الطبيب والدواء، ومغرب المدرسة العمومية التي يدرس فيها ابن الفقير بكرامة ودون اكتظاظ، ومغرب الأجور التي تواكب غلاء الأسعار، ومغرب العدالة الذي تُقسم فيه الثروات بعدل وإنصاف، لا بالولاء والمحسوبية.
النجاح هو دولة ديمقراطية تصون الحريات، وتُطلق سراح كل معتقلي الرأي.
وما دون ذلك… فهو زينة مؤقتة، وفرحة مصطنعة نرقص على إيقاعها اليوم، ونؤدي ثمنها غداً تحت وطأة الفاتورة.
وإلى أن يستقيم منطق المسؤول، ويُعاد ترتيب الأولويات قبل زينة الواجهة …
كل مونديال وأنتم مغيّبون عن الواقع، مصفقون لفرحة مزيفة على واقع مر تستيقضون بعدها .
