المغربية المستقلة : بقلم الاعلامي حسن مقرز / بروكسيل
انتقال اللاعب عبدو سلام – البداية التي كشفت المسرحية كاملة
في خطوة مفاجئة، انتقل اللاعب الجزائري عبدو سلام جدو من نادي نجم مقرة إلى فريق هبوعيل حيفا الإسرائيلي. صفقة لم تكن مجرد انتقال رياضي، بل كانت زلزالًا سياسيًا ماليًا كشف كل التناقضات في النظام الجزائري. في الوقت الذي يرفض فيه النظام التطبيع مع إسرائيل، وقع بنك جزائري رسمي في شراكة مالية مع طرف إسرائيلي لإتمام الصفقة. الشعب الجزائري، الذي اعتاد على سماع شعارات قوية على الشاشات وقراءة بيانات رسمية عن رفض التطبيع، وجد نفسه أمام مفارقة مذهلة: الكلام صار شعارًا، والمال صار سيد الموقف. الإعلام الرسمي، كما هو معتاد، تجنب التعليق المباشر، تاركًا للجمهور السخرية والمقارنة بين الواقع والخطاب. وهكذا، بدأت المسرحية الكبرى من خلال رجل كرة قدم واحد، لكنه أصبح رمزًا لكل الانفصام بين الشعارات والسياسات المالية في الجزائر منذ الاستقلال وحتى اليوم.

ففي الستينات – كانت بداية المسرحية الكبرى
عندما نعود إلى عام 1962، نستطيع أن نرسم لوحة كوميدية سوداء عن الجزائر الحديثة: دولة أعلنت استقلالها بشعارات الحرية والسيادة، لكنها سرعان ما أصبحت مسرحًا لمسرحية النفاق السياسي والمالي. على الورق، كان الخطاب السياسي صارمًا، قويًا، رنانًا: “فلسطين، العروبة، لا للتطبيع مع إسرائيل!”، لكن خلف الستار، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
أحمد بن بلة، الرئيس الأول للجزائر المستقلة، كان يرفع شعارات عميقة، يرسل وفودًا إلى الأمم المتحدة، ويشارك في المؤتمرات العربية، ويكتب بخط كبير على الجدران: “الجزائر مع فلسطين حتى النصر”. الشعب يصفق، الإعلام الرسمي يردد، وكل شيء يبدو وكأنه عرض مسرحي متقن.
ولكن في الخفاء، كان وزير المالية وبنك الجزائر المركزي يدير صفقات دولية سرية، بعضها قد يتضمن جهات إسرائيلية بطريقة غير مباشرة. كان يعرف جيدًا أن السياسة بالكلام لا تغني عن المال، وأن الأموال تتدفق أينما أرادت، بغض النظر عن الشعارات.
المفارقة الكبرى كانت واضحة: الشعب الجزائري يتعلم منذ اليوم الأول أن الكلام قد يكون حبرًا على ورق، بينما الفعل المالي لا يعرف حدودًا. البنوك الجزائرية بدأت التعامل مع شركات دولية، بعض هذه الشركات كانت لها علاقات مع إسرائيل، لكن المسؤولين السياسيين لم يكونوا مضطرين للاعتراف بذلك، فقد كان التمثيل السياسي أفضل من مواجهة الواقع.
والشعب يشاهد المسرحية من الخارج، يضحك أحيانًا على تناقضات المسؤولين: شعارات رنانة على الشاشات، وأفعال مالية سرية تتجاوز الحدود. الإعلام الرسمي لم يكن يجرؤ على المغامرة، وكل ما يستطيع قوله هو تكرار الشعارات التاريخية: “الجزائر ترفض التطبيع”، بينما الأموال تتحرك بحرية بلا توقف.
الستينات أرست الأساس لكل الانفصام الذي سيستمر عبر العقود: شعارات رنانة على الشاشات، صفقات مالية سرية خلف الستار، وشعب يشاهد بسخرية.
في السبعينات – المال يتقدم على الشعارات
مع اكتشاف النفط وتوسيع صادرات الغاز، دخلت الجزائر مرحلة جديدة من الوفرة المالية. هذه الوفرة، بدل أن تُستخدم لبناء اقتصاد شفاف ومستقل، تحولت إلى أداة لإخفاء التناقض بين الكلام والفعل. الوزارات الكبرى كانت منشغلة برفع الشعارات أمام الصحافة، بينما البنوك الجزائرية كانت تتحرك بهدوء في صفقات دولية، بعضها مع شركات لها صلات بإسرائيل، بطريقة غير مباشرة أو عبر وسطاء خارجيين.
الشعب لاحظ شيئًا غريبًا: كلما ارتفعت كلمة “رفض التطبيع” في التلفزيون، ارتفعت معها حركة الأموال عبر القنوات الدولية. وكأن الجزائر تقول للعالم: “نرفض التطبيع بالكلام، لكن نقبله في الصفقات المالية”.
في هذه الفترة، ظهرت أولى الصفقات الدولية الكبرى التي أثارت دهشة الخبراء لاحقًا. شركات استثمارية دولية، بعضها مرتبط بإسرائيل عبر وسطاء أوربيين، بدأت في استقبال استثمارات جزائرية ضخمة، بينما المسؤولون السياسيون يكررون شعارات الرفض.
والجانب الأكثر سخرية كان طريقة إدارة هذه الصفقات: كل شيء رسمي على الورق، وكل شيء “سري” في الحقيقة. الشعب الجزائري، الذي كان يعيش الحياة اليومية الصعبة، لم يفقد حس الفكاهة والسخرية.
السبعينات أصبحت مرحلة التأكيد: المال يتقدم على الشعارات، والبنوك الجزائرية تتحرك بحرية كاملة. الشعب يضحك على التناقض، والإعلام الرسمي عاجز عن مواجهة الحقيقة.
في الثمانينات – الكوميديا السوداء تتطور، أصبح الانفصام بين الشعارات والفعل أكثر وضوحًا. النظام السياسي يستمر في ترديد شعارات “لا للتطبيع” بلا كلل، بينما البنوك والمؤسسات المالية تبتكر طرقًا معقدة للتعامل مع جهات لها صلات بإسرائيل، غالبًا عبر وسطاء دوليين.
ودائما الشعب الجزائري يراقب الكوميديا السوداء يوميًا: كل تصريح رسمي صار أكثر هزلية من اليوم الذي قبله، وكل صفقة مالية سرية كانت تثير السخرية أكثر من السابقة. الإعلام الرسمي صار جزءًا من المسرحية، يكرر الكلمات دون أي تحليل، في حين كانت الأموال تتحرك بحرية.
في التسعينات – الفضائح المالية تظهر علنًا، العشرية السوداء أدت إلى تضخم الانفصام: في الوقت الذي يرفع فيه النظام شعارات العروبة ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ظهرت صفقات مالية علنية مع شركات ودول لها علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل.
هنا الشعب اكتشف أن المسرحية لم تعد مجرد تضارب بين الكلام والفعل، بل أصبحت عرضًا علنيًا للنفاق المالي والسياسي. كل تصريح رسمي صار مادة للسخرية اليومية، وكل صفقة مالية سرية تحولت إلى قصة للضحك أو الاستنكار.
وفي العقد الأول من الألفية الثانية – تراكم الفضائح مع بداية القرن الجديد، تضخمت الفضائح: البنوك الجزائرية الكبرى بدأت تمويل مشاريع دولية مع شركات إسرائيلية، بينما المسؤولون السياسيون يواصلون تكرار شعارات رفض التطبيع.
والشعب الجزائري، معتادًا على السخرية، أصبح يراقب المسرحية اليومية، حيث المال يسبق الكلمات، واللاعبون، مثل عبدو سلام، أصبحوا أدوات كشف الانفصام بين السياسة الرسمية والواقع المالي.
اما فضيحة عبدو سلام جدو كنقطة قمة
صفقة انتقال عبدو سلام إلى إسرائيل كانت ذروة المسرحية: نظام يرفض التطبيع، بنك جزائري يمول الصفقة، وجمهور يشاهد السخرية بلا توقف.
كل التفاصيل المالية للصفقة كشفت النفاق الرسمي: الجزائر تقول لا، لكن الأموال تقول نعم. اللاعب نفسه أصبح رمزًا لهذه الفجوة بين الشعارات والسياسات الفعلية.
منذ الستينات إلى اليوم، المسؤولون الجزائريون تعلموا كيف يحافظون على الصورة الرسمية أمام العالم، بينما يمارسون أنشطة مالية سرية مع جهات إسرائيلية عبر الوسطاء.
والجانب الأكثر هزلية أن الشعب أصبح يعرف هذه اللعبة منذ عقود، وأصبحت السخرية من المسرحية الرسمية جزءًا من الثقافة اليومية: كل تصريح رسمي يعني أن هناك صفقة مالية تتحرك في الخلفية.
الجزائر تقول لا، والبنوك تقول نعم!
الصفقة الأخيرة لعبدو سلام ليست حادثة فردية، بل قمة جبل جليد الانفصام المستمر منذ الاستقلال. الجزائر تقول لا بالكلام، ولكن البنوك والأموال تقول نعم بالفعل.
المسرحية استمرت لعقود، والشعب يراقب ويضحك، والإعلام الرسمي يكرر الشعارات دون أي نقد. الصفقة الرياضية البسيطة أصبحت رمزًا لتناقضات النظام الجزائري: كل شيء ظاهر على الورق، وكل شيء حقيقي خلف الستار. عبدو سلام ليس مجرد لاعب، بل مرآة لسياسات الجزائر المالية والسياسية منذ الستينات وحتى اليوم.
