هؤلاء هم تجار قضية وهمية ؟!!!!!! هذه رسالتي الى قبائل الصحراء ،و الى ساكنة المخيمات و الى الشعب الجزائري
المغربية المستقلة : بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين
كم كنا نحتاج من فسحة خيال لنرسم في مخيلتنا مشاهد ممكنة نراها اليوم حقيقة!
هناك في مخيمات يسمونها “العز والكرامة” على الأراضي الجزائرية بالحمادة و الرابوني، لم يكن يخطر ببال أحد أن تنقل عدسات تصوير الهواتف الذكية تلك المناوشات بين أهالي المخيمات وهم يتراشقون بالحجارة ويلعنون أصول بعضهم.
سياق ما كان ليكون لو أن جبهة البوليساريو، برعاية جزائرية، حرصت على أن يكون أهالي المخيمات من الصحراويين الذين قالوا إنهم يطالبون بتقرير المصير.
لكن المطب الذي وقع فيه صناع وهم نظرية الانفصال هو عدم قبولهم على مدى نصف قرن بإحصاء من يسمونهم باللاجئين حين يتعلق الأمر بجمع المساعدات والإعانات، والحرص على توسيع قاعدتهم باستقدام جنسيات من الجزائر وموريتانيا ومالي ومختلف الأقوام من العمق الإفريقي، بغرض تغليب كفة المخيمات على كفة الأقاليم الجنوبية في عملية الاستفتاء التي كانت منتظرة…
زعماء الجبهة ممن يطلقون على أنفسهم أسماء هياكل الدول؛ من رئيس الدولة والحكومة والوزراء وولاة الولايات وغيرها، كلهم وبلا استثناء غادروا تلك المخيمات ولا يعودون إليها إلا لماماً لالتقاط الصور، أو استقبال وفود متعاطفة أو باحثة عن الحقيقة، أو تلقي إعانات بعد أن تكون قد مرت وتقلصت كمياتها في مطارات الجزائر المحتضنة.
المسؤولون الذين يفترض أنهم حاملون لمشروع الثورة الشعبية، تفرقت بهم السبل بين مؤسسين عائدين إلى أرض الوطن بعد نداء الحسن الثاني رحمه الله “إن الوطن غفور رحيم” وهم يعيشون في بحبوحة من العيش في الفيلات وفي مختلف مدن المملكة، في وقت لا تزال فيه أسر القوات المسلحة الملكية وقدماء المقاومة وجيش التحرير يتظاهرون أمام البرلمان يستجدون حقوقاً ما كانت لتكون لو تم إكرام المقاتلين كما يُكرم الخونة التائبون؟!!
أما من فطن لقوانين اللعبة مع الجزائر وإسبانيا على مدى عقود، فمقامه في الطائرة بين باريس وبرشلونة وإيطاليا وفندق الإقامة بالجزائر حيث مقر السفارة الوهمية للدولة الوهمية.
قيادات لا تزور المخيمات أو لا تعرفها إلا عند انعقاد المؤتمر السنوي للجبهة في المنطقة العازلة لتزكية وتمديد ولاية حكام جمهورية الرمال والأشباح.
أولادهم يدرسون في بعثات دولية برعاية منظمات إنسانية، وزوجاتهم يقضين عُطلهن بشواطئ دول أمريكا اللاتينية أو إسبانيا، حتى أن أطفالهم لا يتكلمون الحسانية، ولا علم لهم بثقافة أهل الصحراء، ولنقل بعبارة وصفية دالة: “لا علاقة لهم بالقضية الصحراوية”، غير مأذونية لتلقي أموال تمويل الدراسة والسفريات.
آخرون ينزلون بفنادق بعتات جنوب إفريقيا أو الجزائر في جنيف وفي محيط مقر الأمم المتحدة، ينتظرون الإشارة من المخابرات الجزائرية لإطلاق تصريح هناك، والتدخل بكلمة معدة سلفاً من المكاتب المظلمة للدبلوماسية الجزائرية، فلا صوت لصحراوي في منبر أو قناة أو حتى مقال بجريدة يخرج عن الخط المرسوم لهم من القصر الرئاسي بالجزائر.
وحدهم ساكنة المخيمات من مختلف الأصول من يلعبون نفس اللعبة بشكل مختلف؛ فعلى الأرض تجارة أسلحة مع التنظيمات في الحدود الجزائرية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتجارة الأعضاء البشرية بدعوى إرسال الأطفال للدراسة بكوبا وبعض دول العالم، وتجارة الذهب المنهوب من المنطقة العازلة في الحدود مع موريتانيا، وتجارة المساعدات الإنسانية الدولية رغم تراجعها في السنوات الأخيرة.
ويبقى السؤال:
من الضحية في هذا الوضع؟
كصحراوي، لم أعترف يوماً بوجود ما يسمونه “الشعب الصحراوي”، أنا أؤمن بوجود قبائل؛ الرابط بين المنتسبين لكل قبيلة هو الدم والصلة والانتساب،
والرابط بين القبائل عقود عرفية بين السلم والحرب والتسابق نحو الزعامة في نظام قبلي لا يؤمن إلا بالقوي أو بالتقي.
وهذه القبائل هي قبائل رحل لا وطن لها غير الصحراء والكلأ والرعي والبيعة الدينية.
اختر لك اسم أي قبيلة حتى لا أختار قبيلتي، وابحث عن مستقرهم، فستجدهم موزعين بين دول صنعها الاستعمار وحدود سطرت بالمسطرة بدل التاريخ والأحداث والوقائع.
فنجد قبيلة “الركيبات” التي أراد المستعمر الفرنسي أن يؤسس بها “جمهورية الركيبات” قبل ظهور مخطط البوليساريو، لا يمكنك أن تحدد لهم موطناً؛ ففي مالي والسنغال وحتى نيجيريا وموريتانيا والجنوب والشمال في المغرب، هم استوطنوا كل هذه المناطق والدول،
فكيف لهم أن يكونوا جزءاً من “شعب صحراوي” يطالب بتقرير المصير؟
شعب لا يمكن أن يكون من قبيلة واحدة، وكلما توسع وعاء القبائل المكونة لهذا الشعب المزعوم توسعت معه الدول التي استوطنتها هذه القبائل بعد مرحلة الترحال، فيصبح بذلك مطلب تقرير المصير يطرح الأسئلة المحرجة:
تقرير مصير من؟ وممن؟
لكن جبهة البوليساريو لا يعنيها كل هذا في شيء، فبؤرة همها الأول والأخير الذي تأسست من أجله هو تقديم المغرب للعالم على أنه مستعمر غاشم يحتل أراضي الشعب الصحراوي؟!!!!!
… أيام قليلة تفصلنا عن شهر غشت حيث الحرارة والشمس الحارقة في المخيمات، هناك لا يزال يقبع أهالي من النساء والأطفال وسط تجار السلاح والوقود والبشر، أما من يحملون لواء قضيتهم المزعومة والمفضوحة بعد نصف قرن من الشد والجذب فهم في فنادق مطلة على أجمل شواطئ العالم يتمتعون بحق اللجوء وبالجواز الدبلوماسي الجزائري…
لم تعد تفاصيل ملف الصحراء سوى فصل من فصول ابتزاز المغرب، تحتضنه الدول كلما أرادت مصلحة من المغرب أو الجزائر، والصحراويون فطنوا لهذه اللعبة، لذلك كل واحد منهم ركب الموجة التي تناسبه إما بالمغرب أو خارجه، وإما بالعاصمة الجزائر أو خارجها،
لتصبح المخيمات اليوم وبالفعل، بعيداً عن شعارات وتوصيفات الطرفين المغربي والجزائري، عبارة عن ثكنة عسكرية ومخيم جماعات مسلحة، ومعبر للمهاجرين الفارين من الحروب بإفريقيا.
الجزائر تقبل بهم لأنهم ينفذون ـ بتواجدهم على أراضيها ـ فصولاً من أسطوانة الحرب الباردة: تقرير المصير وآخر مستعمرة…
المغرب نجح في إقناع من عليهم العودة فعادوا، وها هو الآن يطرح خيار الحكم الذاتي ولكن على أرضه، وأما من هم هناك في تندوف فعليهم أن يكونوا مسجلين في إحصاء إسبانيا قبل مغادرتها الصحراء، ولعمري إن من بقي فيهم في المخيمات لقليل أو معدوم.
حقيقة أدركها العالم، ويعالجها بمنطق المكاسب والترضيات، على قاعدة الحق التاريخي للمغرب في أرضه، والروابط المتباينة بينه وبين القبائل التي تسكن تلك الأرض.
وبذلك تنتهي مغامرة ما كانت لتطول كل هذه المدة لولا أن تم تغذيتها من جهات دولية، ليس إيماناً بالقضية المزعومة ولكن للوي ذراع المغرب في ملفات استراتيجية؛
مرّ من هنا كثيرون من مصر وإيران وليبيا والصومال وموريتانيا وتونس والعراق، ودولياً الاتحاد السوفيتي وكوريا الجنوبية ودول أمريكا اللاتينية والإفريقية.
لقد كانت قضية الصحراء المزعومة مجرد “كوتشينة” لعبت بها الدول ضد مصالح المغرب ولفائدة مصالح الجزائر ومصالح تلك الدول مع الجزائر.
والجزائر اليوم تتجه، ولو بشكل متعثر، إلى أن تكون كلها كدولة مجرد مخيم للاجئين الجزائريين الذين يرون العالم يتطور من حولهم، فيما لا زالت قيادتهم مسكونة بشعارات أكل عليها الدهر وشرب،
فالعالم يتحول من حولهم ومن لا زالوا في الطوابير ولا زالت شاشاتهم الرسمية تبث حوارات مطولة مع رئيس الدولة كما كان فيديل كاسترو والقذافي وحزب البعث في العراق وسوريا.
وكلما قلنا إن الشعب الجزائري يستحق أحسن، كلما تحرك الذباب الإلكتروني لقصر المرادية ليشن حربه علينا، لكي لا تنكشف الحقيقة ويزول الرماد من العيون، كي ترى شعوبنا معاً كيف جعلت الأطماع الأجنبية من بلدينا مسرحاً لسلب خيراتنا ونحن غارقون في حدود دول صنعها الاستعمار، فيما الشعوب تئن تحت وطأة المناوشات والتجاذبات بلا أفق وبلا معنى.
لقد فطنا في المغرب للعبة عندما خلقنا القطيعة بين عهد الأيديولوجيات وخطاب الشعارات زمن الحسن الثاني، وانخرطنا في دينامية الملك محمد السادس الذي فتح أعيننا على سياسة وتدبير واقعي للمنطقة كلها ولإفريقيا ولعلاقتنا مع الجزائر.
الكابرانات في الجزائر يعتبرون المغرب محتلاً لشعب الصحراء، والحقيقة هي أن الشعب الجزائري هو من يعيش وزر الاحتلال تحت قيادة جماعة مسكونة بعقد الماضي وبتعبئة الأرصدة خارج البلاد وإلهاء الشعب بخطابات أكل عليها الدهر وشرب. وتلك حكاية أخرى…
