كازاخستان… ما أشبه الليلة بالبارحة

المغربيةالمستقلة : أيوب نصر/ كاتب مغربي، باحث في العقائد، والمدارس الفكرية، والاستشراق.

شهدت كازاخستان لمدة أسبوع مظاهرات وإحتجاجات، بدأت يوم 2 من يناير، إحتاجا على إرتفاع أسعار النفط، و فجأة تحولت هذه المظاهرات من مظاهرات اجتماعية، وإحتجاجات سلمية، إلى أعمال تخريبية، ظهرت معها مجموعات قتالية مسلحة، حتى استدعى الأمر من الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، طلب العون من “منظمة الأمن الجماعي” التي تترأسها روسيا، وتعد كازاخستان جزء منها.
ولا يمكن دراسة هذه الأحداث، وتعليقها بأسبابها، وربطها بعللها، دون النظر في سياقها، وربطها بما يحدث الآن في المنطقة عموما، والتوترات الحاصلة فيها، وذلك أنه لا يمكن أن تتحول مظاهرات إجتماعية، وإحتاجات سلمية، إلى ما شاهدناه، من أعمال عنف وتخريب، وحدوث إنشقاقات، يستدعي معه طلب العون الخارجي، إلا أن تكون هناك أطراف خارجية، هيجت القاعدة الشعبية، وركبت عليها.
وخاصة أننا نتكلم عن دولة حليفة لروسيا، ولها معها شريط حدودي كبير، يتجاوز 7000كلم، وكانت من دول الإتحاد السوفياتي سابقا، فلا يمكن في هذه الحالة إغفال الأزمة الروسية الأوكرانية، كما يجب استحضار منهج ساكن البيت الأبيض الذي يعتبر حليفا وداعما لأوكرانيا، وهذا يقتضي منا النظر إلى ما يجري في كازخستان، وفق هذا الاعتبار، وفي هذا السياق.
تعتبر كازاخستان الحديقة الخلفية لروسيا الإتحادية، وأي اضطراب يحدث فيها، تعاني منه روسيا، ويضيق نفوذها، ويحجر توسعها، وأي تغير للسلطة فيها قد يجعل منها أوكرانيا ثاينة، ولهذا فلا يستبعد ركوب أطراف خارجية على الإحتاجات الاجتماعية، وخاصة أن ساكني البيت الأبيض من الحزب الديمقراطي، والناظر المتأمل في توجهات الحزب الديمقراطي، والمستقريء لمساره ، يعلم أن الحزب لا يميل الى شن الحروب المباشرة، وذلك على طرف النقيض مع الحزب الجمهوري الذي يذهب إلى الحروب المباشرة، وهذا الذي يفسر قربه من الجيش وقياداته، وأما الحزب الديمقراطي فإنما يميل إلى إسقاط الحكومات وإضعاف الدول عن طريق الثورات، وتهييج الجماهيير وإحداث الفوضى.
فإذا كان دونالد ترامب، على قوته وجبروته، أضعه الديمقراطيون، وأطاحوا بشعبيته عن طريق أمرين، فأما أولهما فيتجلى في إخراج الناس للتظاهر عليه في قضية جورج فلويد، مع أنها جريمة عادية، كان يمكن أن تنتهي بمحاكمة الشرطي الذي قام بها، وأما الثاني فيتمثل في الركوب على مظاهرات مبنى الكابيتول، وقد شاهد العالم كله، عدم وجود حاجز أمني، أو منطقة عازلة، تمنع المتظاهرين دون الإقتراب من المبنى، وهذا يدفعنا لطرح ألف سؤال، خاصة أن إقامة منطقة عازلة في مثل تلك الظروف، يعتبر من البديهيات والمسلمات الأمنية.
ولا يمكن أن ننسى، الإنقلاب الذي حدث في أوكرانيا سنة 2014، على الرئيس الأوكراني المنتخب، فيكتور يانوكوفيتش، والذي عرف أحداث شغب وتدخل مجموعات مسلحة غير معروفة، وهو الأمر نفسه الذي نراه اليوم، ويحدث على الأراضي الكازاخستانية، وكان ساعتها الذي يحكم الولايات المتحدة ديمقراطيا، فما أشبه الليلة بالبارحة.
كما أن كل هذه المستجدات، تحدث قبل أسبوع من بداية المفاوضات، الروسية الأمريكية، لمناقشة الأزمة الأوكرانية، والتي ستنطلق غدا، والولايات المتحدة تعرف أن مسألة فرض العقوبات على روسيا، ليست بالطريقة الناجعة، لمنعها دون أن تشن حربا على أوكرانيا، فكان حريا بها أن تدخل المفاوضات، وهي تملك ورقة ضغط أقوى من العقوبات، والتي لم تجلب نفعا مع إيران، فضلا على أن تنفع مع روسيا.
إن ما يحدث الآن في كازاخستان، من إندلاع لشرارة المظاهرات، وظهور مجموعات قتالية مسلحة، ما هو إلا إعادة لما حدث في أوكرانيا سنة 2014، في محاولة من الولايات المتحدة، لتضييق الخناق أكثر على روسيا، ووسيلة لمحاصرتها، وسحب البساط من تحتها، واخضاعها للضغط قبل بداية المفاوضات بخصوص الأزمة الأوكرانية.

Loading...