عندما يتحول العطش إلى سوق للاستغلال: قراءة سوسيولوجية في علاقة الهشاشة الاجتماعية بالممارسات التجارية

المغربية المستقلة  : صفاء جمال

يشكل فصل الصيف لحظةً موسمية ترتفع خلالها الحاجة إلى استهلاك المياه، بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد التنقل والأنشطة خارج المنزل. غير أن هذه الحاجة الأساسية قد تتحول في بعض السياقات إلى فرصة لاستثمار هشاشة المستهلك ورفع هامش الربح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالفئات محدودة الدخل والطلبة والمعطلين والأسر التي تعيش تحت ضغط القدرة الشرائية.

ومن بين الممارسات التي تستحق التوقف عندها بيع قنينة مياه سعتها لتر ونصف بسعر ستة دراهم بدل خمسة دراهم، مع تبرير الزيادة بارتفاع تكلفة التبريد واستهلاك الكهرباء. وبصرف النظر عن مدى قانونية هذه الممارسة في كل حالة، فإنها تفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين التكلفة التجارية، السعر، حماية المستهلك والأخلاق الاقتصادية.

فالمستهلك لا يدخل دائماً السوق من موقع متكافئ مع البائع؛ إذ تتحدد قدرته على التفاوض والرفض وفق وضعه الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تكون السلعة المعروضة مرتبطة بحاجـة أساسية مثل الماء خلال موجات الحر، تصبح إمكانية الامتناع عن الشراء محدودة، وهو ما يجعل العلاقة التجارية أكثر حساسية.

يمكن فهم هذه الظاهرة ضمن مفهوم الهشاشة الاجتماعية؛ فالفرد الذي يمتلك دخلاً محدوداً، يكون أكثر تأثراً بالزيادات الصغيرة في أسعار السلع والخدمات الأساسية. وقد يبدو مبلغ درهم واحد زيادةً هامشية في نظر بعض المستهلكين، لكنه يصبح ذا دلالة أكبر عندما تتكرر الزيادات على مجموعة من المنتجات والخدمات، فتتراكم آثارها على الميزانية اليومية.

كما تكشف هذه الممارسات عن مفارقة أساسية في السوق: فالتاجر يتحمل تكاليف معينة، من بينها الكهرباء والتبريد والنقل والتخزين، ومن الطبيعي اقتصادياً أن تدخل التكاليف ضمن حساب السعر. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يصبح المستهلك الطرف الذي يتحمل وحده كل هذه الأعباء، ولا أن تُفرض عليه زيادة في السعر دون وضوح أو احترام للقواعد المنظمة للبيع.

وهنا تتجلى أهمية ثقافة حماية المستهلك، لأن العلاقة التجارية السليمة لا تقوم فقط على تحقيق الربح، وإنما كذلك على الشفافية واحترام السعر المعلن وعدم استغلال حاجة المستهلك أو جهله بحقوقه.

والأخطر اجتماعياً هو أن تتحول الحاجات الأساسية إلى مجالات للضغط على الفئات الهشة. فالماء ليس منتجاً كمالياً، يمكن للمستهلك الاستغناء عنه بسهولة، لذلك فإن استغلال ارتفاع الطلب عليه خلال فترات الحرارة الشديدة يثير سؤالاً أخلاقياً، يتجاوز الحسابات التجارية البحتة.

إن القضية في جوهرها، ليست قضية درهم واحد؛ وإنما قضية علاقة بين السوق والمجتمع والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية. فعندما يكون المواطن محدود الدخل، فإن كل زيادة مهما بدت صغيرة، يمكن أن تساهم في تعميق الإحساس بالضغط الاقتصادي، خاصة عندما تتزامن مع ارتفاع أسعار حاجات أخرى.

وبالتالي، فإن معالجة مثل هذه الظواهر لا ينبغي أن تقوم على التعميم أو اتهام جميع التجار، بل على تعزيز الوعي بحقوق المستهلك، وتشجيع الشفافية في المعاملات، ومراقبة الممارسات التجارية المخالفة للقواعد المعمول بها، وترسيخ أخلاقيات اقتصادية تجعل تحقيق الربح متوازناً مع احترام كرامة المستهلك وقدرته الشرائية.

فالسوق ليس مجرد فضاء للبيع والشراء؛ إنه أيضاً فضاء للعلاقات الاجتماعية، تتجلى داخله موازين القوة، ومستويات الهشاشة، وحدود التضامن، وأشكال احترام الإنسان في حياته اليومية. وعندما تتحول الحاجة الأساسية إلى فرصة لاستغلال الضعف الاقتصادي، فإن المسألة لم تعد مجرد فرق في السعر، وإنما أصبحت سؤالاً حول طبيعة العلاقة التي نريدها بين المواطن والسوق.

Loading...