المغربية المستقلة: جمال اكاديري كاتب ومحلل
▪︎ إن إثارة قضية برنامج التجسس بيغاسوس ، وعودته اعلاميا للواجهة ، مع فرضية استخدامه من طرف بعض الدول ( التي تبقى حتى الان مشكوك في تورطها الفعلي ) من وجهة نظرنا طبعا ، تحجب من ورائها منافسة شرسة بين الدول الغربية الكبرى ( التي تريد احتكار انتاج هذه الوسائل السيبرانية الرقمية الفتاكة) اكثر مما تخدم ، حرمة القضايا الحقوقية ، لتحصينها من المشتبه في انهم ينتهكونها .
▪︎ فعملاء المخابرات الغربية ، الاحترافيون الذين يتقنون مهنيا ، فك شفرات شبكات التنصت الرقمي على المكالمات الهاتفية المعقدة ، ربما يتابعون بتهكم ، وفي سرية هذه الضجة الإعلامية الملفقة ، التي تريد توريط دول ناشئة ، في قضية تجسس محتملة ، لم يتم الإجماع على حدوثها ، في حين أن هذه الاخيرة( اعني دول العالم الثالث الموجه لها التهمة) مازالت بكل إمكانياتها المحدودة ، تتخبط في طريقها نحو التقدم التقني ، لتأمين فضاءها السيبراني الخاص وتحصيل السيادة الرقمية !.
▪︎ فإذن دول من الشرق الأوسط و شمال إفريقيا كالمغرب ، بناءا على إفتراض موهوم ، انها تجسست على قائمة طويلة من أرقام هواتف ، سيتبين للكثيرين ( من بينهم المعنيين بها، و المذكور أسماهم من شخصيات نافذة ) انها مقحمة عشوائيا من طرف هيئة حقوقية عالمية ، تسرعت كثيرا في استنتاجاتها ، بشكل لامهني ، جارة ومورطة معها ، مؤسسات إعلامية غربية ذات مصداقية ومحترمة دوليا ؛ و التي ستتحول الى ضحية الثقة الزائدة في تحاليل مختبرات مغمورة، لم تجزم تقاريرها ، بأي شيء ملموس أو معلل بدلائل تشمل كل الأسماء المدرجة ، بل تم التشطيب على اسماء في أوج بداية السجال لتفادي الحرج !!
▪︎ للأسف ما يريب في حملة هذا التحقيق غير الدقيق ، والذي يهدف ، إلى تحريك مياه الإثارة الاعلامية الآسنة ، انه ينم عن تلاعب ممزوج بسوء القصد ، محاولا بلوغ حرفية ، من هم أكثر احترافية وخبرة بعالم التجسس الجيوستراتيجي وخباياه ، الذي لايزال راهنا ، كما يعلم الكل ، حكرا على القوى الغربية الكبرى و الشركات الموالية لها .
▪︎ برمجيات التجسس مثل بيغاسوس الإسرائيلي ليست الوحيدة المتاحة في الأسواق التجارية العالمية بل عشرات غيرها موجودة في هذه الأسواق ، المسيطر عليها بشكل أو بآخر ، من قبل هذه الدول الغربية نفسها ، فكلهم سيستفيدون عكسيا ، من هذه الضجة المثارة ، لضمان عرض تكنولوجي عالمي يخدم أيضًا مصالحهم الاقتصادية السيادية.
▪︎مما يعني هذا ، ان الصناعة في خدمة التجسس السيبراني ، عرفت ظهور مشغلين تكنولوجيين متطورين ، اغلبهم حصل على كفآته من مكاتب أجهزة المخابرات ، يسوقون لأدوات تكنولوجية عالية الدقة ، في إعتراض المعلومات والتقاطها كيفما كانت طبيعة بثها . داخل ظرفية صعبة ، تصاعدت فيها التحديات الأمنية ، اولها تكاثر بؤر الإرهاب العالمي ، مع عودة النزاعات و التوترات والتنافس بين الدول الكبرى و بين تكتلاتها الصناعية القارية.
▪︎فحكومات الدول القوية ، تفعل ما تريد وما يخدم مصالحها اولا ، من خلال تأمين شبكات اتصالاتها ( تعميم التشفير الإجباري ، وخلق سلاسل الأرقام الافتراضية ، وما إلى ذلك مما سيعزز أمنها الرقمي ) وقبل كل شيء ، من خلال حماية المخترعين المؤهلين لهذا النوع من الصناعة التكنولوجية السيبرانية ، الذين سيكونون ضامنين للسيادة الرقمية ، داخل حدودها حاليا و على المدى البعيد
علاوة على ذلك ، كل عضو من فئة هذه الدول الغربية القوية ، تتنافس بشدة واحيانا في سرية ، من أجل تجنب إضعاف هذه السيادة ، ولكي لا تجد نفسها في حالة تبعية تكنولوجية للآخرين ، متصرفة كما ينبغي ، حتى لا تترك الفرصة ، للمشغلين الأجانب الإنقضاض على شركاتها المحلية ، المشتغلة في مجال الدفاع السيبراني ، و التي ربما ستضعفها الإجراءات القانونية الداخلية ، و تكبل اندافعها الصناعي ، لحساسية هذا الميدان ، وتصادم نوعية وظائف تطبيقاته مع محظورات قانونية ، تحاول أن تحمي البيانات الخاصة و الحياة الشخصية من القرصنة .
الأكيد أن التكنولوجيا المعلوماتية ، قد أحدثت ثورة في عديد من القطاعات ، وبدورها الاستخبارات العالمية في شقها السياسي أو الاقتصادي أو العسكري ، لم تعد تحصر تنفيذ خدماتها الفعالة بالطرق الكلاسيكية ، مع وجود أدوات المراقبة عالية التقنية ، التي أتاحتها الثورة الرقمية ، والتي سهلت التجسس على نطاق واسع.
وهكذا من خلال مراجعة شاملة ، للأساليب الكلاسيكية المعتمدة سلفا ، والتي تعتمد فعاليتها ، بشكل أساسي على الذكاء والخبرة البشرية ،ثم التحول والاستفادة من نجاعة الذكاء الالكتروني الرقمي لسيولته و شموليته.
فكان من الضروري ، التحضير والاستعداد ، لأن التهديد الإلكتروني الإرهابي و هجمات القرصنة ، يمكن أن يحصلا في اي وقت هادفا تدمير أنظمة المعلومات او الاستحواذ عليها
فإذن بلاشك ، الصراعات المستقبلية ستكون رقمية ، ولهذا السبب جميع الدول الغربية ، تعمل سرا وعلنا ، على تعزيز القدرات الدفاعية لفضائها السيبراني و قدراته التجسسية المضادة
وهذا ما يدفعهم الى محاولة احتكار الوصول إلى المراقبة السيبرانية الجيوستراتيجية ، التي يجب أن تبقى تحت رعايتهم ، ومجالا محجوزا أو امتيازا تكنولوجيا لنادي الكبار ، واعتبار دول العالم الثالث قاصرة عن حماية أمنها الرقمي وليست لها الأهلية الحقوقية الكافية لخوض المضمار !!!.

