سلسلة جلسات دينية يومية: سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم(جلسة 15-16-17-18)

المغربية المستقلة: متابعة

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

*الجلسة الخامسة عشر*

*الحبيب في كنف عبد المطّلب*

بعد رحيل السيدة آمنة بنت وهب، امتدّت اليد الحانية إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وأقبل القلب الرّحيم عليه ؛ وذلك بشيبة الحمد ، عبد المطلب، سيد قريش..

عاش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كنف جدّه عبد المطّلب بن هاشم ..
تربّى على ساعد رجل كريم الطّباع، صاحب الشّرف وسقاية الحجيج ..

❍ ولقد كان يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظلِّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك، حتّى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له.

ولكنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأتي وهو غلام جَفْرٌ، حتّى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منهم:

*دعوا ابني ! فوالله إنّ له لشأنا !*

ثمّ يُجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع.

❍ وممّا يدلّ على عظم حبّه له أنّ عبد المطّلب كان لا يُرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن سبع أو ثمان سنين في شيء إلاّ جاء به، ولا في حاجة إلاّ قضاها، ولم يتأخّر عنه قطّ.

*إلاّ مرّة واحدة ..*

مرّة واحدة أرسله جدّه ليسوق الإبل، فتأخّر ! وكان الموسم موسم حجّ، وليس من السّهل أبدا البحث عن طفل صغير وسط ذلك الزّحام الكبير.

ولم ينشغل ذهن عبد المطّلب بشيء ذلك اليوم .. لا بالحجيج .. ولا برفادتهم ولا بسقايتهم ..

لا يشغله السّاعةَ إلاّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

فلم يجد إلاّ أن اقترب من الكعبة ورفع يديه قائلا:

*( ربّي ردّ إلـيّ محمّدا        ربّ واصطنع عندي يدا )*

روى البيهقي بسند حسن عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أنّ رجلا من الحجيج شاهده فسأل:
– من هذا ؟  فقالوا:
– عبد المطّلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنِه في طلبها، ولم يُرسله في حاجة قط إلاّ جاء بها، وقد احتبس عليه.

قال: فما برحْتُ حتّى جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بالإبل، فقال عبد المطّلب له:
*” يا بُنَيّ ! لقد حزنت عليك حزنا، لا تفارِقْني أبدا “.*

لكنّ السّعادة لم تدُم طويلا، فبعد سنتين من وفاة أمّه، نرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على موعد جديد مع الحزن ..

نراه يبكي خلف سرير عبد المطّلب بحُرقة ومرارة ؛فقد مات الجدّ الرّحيم، والسيّد الكريم.

___________________________________________________

 سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم*

الجلسة السادسة عشر: 

*المحبوب عند عمه أبي طالب*

توفي عبد المطلب بعد سنتين من كفالته للحبيب صلى الله عليه وسلم ..
فجاء عمه أبو طالب ليأخذ هذا الحبيب ويضمه إلى صدره قبل عائلته ..

وكان أبو طالب قليل المال كثير العِيال..
ومع ذلك أكمل الله به نعمته على نبيّه المخلّدة:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} .

فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتولّى رعاية الغنم لأهل مكّة
*لئلاّ يبقى عالة على عمّه*

وفي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:
(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ )) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: (( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ )).

وكان يأخذه معه إلى حيث ذهب، لا يفارقه أبدا ..

ثمّ جاء اليوم الّّذي همّ فيه أبو طالب أن يخرج في رَكْب تاجرا إلى الشّام.. فهمّ بأخذ الحبيب صلى الله عليه وسلم معه في مهنة التجارة..

*ومن لطائف الأخذ برعي الغنم للأنبياء*

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ” فتح الباري “:

قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوّة:
– أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلّفونه من القيام بأمر أمّتهم.

– ولأنّ في مخالطتها ما يُحصِّلُ لهم الحلمَ والشّفقةَ…
لأنّهم إذا صبروا على رعيِها، وجمعِها بعد تفرّقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح..
ودفع عدوّها من سبُع وغيره كالسّارق..
وعلموا اختلاف طباعها وشدّة تفرّقها، مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصّبر على الأمّة..
وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها..؛ *فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التّعاهد لها،* فيكون تحمّلهم لمشقّة ذلك أسهلَ ممّا لو كُلِّفوا القيام بذلك من أوّل وهلة، لما يحصل لهم من التّدريج على ذلك برعي الغنم.

– وخُصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأنّ تفرّقها أكثر من تفرّق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرّبط دونها في العادة المألوفة ” اهـ .

– وأيضًا: وهي أنّ الرّحمة والسّكينة في أهل الغنم.
ففي الصحيحين أن رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: ( ..وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ )

ـ ثم ليكون رعي الغنم علامة على نبوته صلى الله عليه وسلم.

___________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم*

الجلسة السابعة عشر:

*المحبوب مع عمه أبي طالب*
*رحلته إلى الشام*

لقد عرفنا شدة محبة أبي طالب للحبيب محمد صلى عليه وولهه به ـ وحُق له ـ وأن الحال وصل به أن لا يذهب لمكان إلا وهو معه.

وآن أوان رحلة أبي طالب للسفر في تجارة الشام، فقرر أخذ الحبيب معه في جماعة من أشياخ قريش

وهناك حدث ما لم يكن في حسبان أحدٍ من الرّكب..

روى التّرمذي عن أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ:

خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ، هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ الرَّاهِبُ، ـ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ ـ .

قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، جَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ، فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقَالَ:
*👈🏼هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ ! هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ! يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ !*

فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ ؟ فَقَالَ:
إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ،
*لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ*
وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ.

ثُمَّ رَجَعَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قَالَ:

أَرْسِلُوا إِلَيْهِ !

*فَأَقْبَلَ، وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْقَوْمِ،*
*وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ،* فَقَالَ:

انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ ! مَالَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ.

فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرُّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ:
مَا جَاءَ بِكُمْ ؟

قَالُوا: جِئْنَا، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ، بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ:

هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ:

أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ رَدَّهُ ؟ قَالُوا: لَا !
قَالَ أبو موسى: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ:

–  أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ! أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبو طالب.

___________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم*

الجلسة الثامنة عشر:

*رسولنا الحبيب شابًّا 1*

فترة شباب المصطفى صلى الله عليه وسلم تهمنا:

ـ لأنها شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم.
ـ لأنها مدخل لنبوته صلى الله عليه وسلم.
ـ لنرى صناعة الله في نبيه صلى الله عليه وسلم.
ـ لنسير على مسير ذلك الشباب الفاضل.

*نتبع المحبوب⬅*

 

Loading...