الحسين جهادي الباعمراني وترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية بين الدين واللغة والهوية والتاريخ

المغربية المستقلة  : الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ

تمهيد

ليست الكتب كلها مجرد أوعية للمعرفة، فبعضها يتحول، بحكم السياق الذي ظهر فيه وطبيعة الأسئلة التي يطرحها، إلى وثائق تاريخية تتجاوز مادتها المباشرة. وكتاب «ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الأمازيغية: نور على نور» للحسين جهادي الباعمراني، الصادر سنة 2003 عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، ينتمي، في تقديري، إلى هذه الفئة من الكتب التي ينبغي قراءتها لا باعتبارها مجرد ترجمة لنص ديني من العربية إلى الأمازيغية، وإنما باعتبارها وثيقة لغوية وثقافية ودينية وتاريخية تكشف لحظة دقيقة من لحظات تحول علاقة الأمازيغية بالمعرفة وبالإسلام وبالكتابة وبالهوية المغربية.¹
فالكتاب، الذي يقع في 426 صفحة، جاء في لحظة تاريخية شديدة الدلالة: لحظة إعادة الاعتبار المؤسسي للغة الأمازيغية في المغرب، وهي اللحظة التي سبقت أو تزامنت مع اعتماد تيفيناغ نظامًا لكتابة الأمازيغية سنة 2003. غير أن مشروع جهادي كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، واستغرق، بحسب شهادة صاحبه، حوالي اثنتي عشرة سنة من العمل والقراءة والمقارنة والمراجعة. ولذلك فإن نشره سنة 2003 لا يعني أن المشروع وُلد في تلك السنة، وإنما يعني أن مسارًا فكريًا ولغويًا سابقًا وجد طريقه إلى النشر في لحظة تاريخية مناسبة.²
1. الكتاب: بطاقة ببليوغرافية تتجاوز حدود الكتاب
يحمل الكتاب عنوان «ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الأمازيغية: نور على نور»، والمؤلف هو الحسين جهادي الباعمراني، وقد صدر عن مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة 2003. وتسجل الفهارس الببليوغرافية للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الكتاب بهذا العنوان، كما تسجله بوصفه ترجمة لمعاني القرآن الكريم. وتؤكد بيانات Google Books أنه يقع في 426 صفحة ويحمل الرقمين الدوليين ISBN 9981179817 و9789981179813.³
غير أن القيمة التاريخية للكتاب لا تكمن في مواصفاته المادية وحدها؛ فمجرد انتقال القرآن، بوصفه النص المركزي في الثقافة الإسلامية، إلى لغة أمازيغية مغربية، وبالتحديد إلى تاشلحيت، يجعل من الكتاب حدثًا في تاريخ اللغة بقدر ما هو حدث في تاريخ الترجمة الدينية.
والأدق من الناحية العلمية أن نقول إن الكتاب يقدم ترجمة لمعاني القرآن، لا «ترجمة القرآن» بالمعنى العقدي الحرفي؛ لأن النص القرآني العربي يظل، في التصور الإسلامي، هو النص المنزل، بينما تمثل الترجمة جهدًا بشريًا تفسيريًا في نقل المعاني والدلالات إلى لغة أخرى.
وهذا التمييز الذي يحمله العنوان نفسه ليس مسألة شكلية، بل يعكس الإشكال الفقهي واللغوي القديم حول العلاقة بين النص المقدس وترجمة معانيه.
1. الحسين جهادي الباعمراني: صاحب المشروع بين المدرسة الدينية والمعرفة الحديثة
تتضاعف أهمية الكتاب عندما نضعه في سياق شخصية مؤلفه. فالحسين جهادي الباعمراني لم يدخل إلى مشروع ترجمة القرآن من موقع مترجم لغوي منفصل عن الثقافة الإسلامية، بل جمع، بحسب المعطيات المنشورة عنه، بين تكوين ديني تقليدي ومعرفة حديثة بالتاريخ واللغة والثقافة الأمازيغية.
وهذه النقطة أساسية لفهم المشروع؛ إذ إن صاحب الكتاب لم يكن يريد نقل ألفاظ عربية إلى مقابلات أمازيغية فحسب، وإنما كان يتحرك داخل منظومة معرفية يعرف فيها النص القرآني من خلال التلقي الديني التقليدي، وفي الوقت نفسه يمتلك حساسية لغوية تجاه تاشلحيت وثقافتها وتاريخها.
كما أن مشروعه لم يبدأ بالقرآن. فقد سبق له أن اشتغل على السيرة النبوية بالأمازيغية سنة 1995، ثم نشر سنة 1997 ديوانًا شعريًا أمازيغيًا، قبل أن يواصل مشروعه في ترجمة النصوص الدينية، ومنها الحديث القدسي سنة 2003، ثم أعمال مرتبطة بترجمة الحديث وفتح الباري وتجريد البخاري سنة 2007. وتؤكد فهارس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وجود هذه الأعمال ضمن إنتاج جهادي.⁴
ومن ثم، فإن ترجمة القرآن لم تكن عملًا معزولًا، وإنما جاءت ضمن مشروع أوسع لأمازغة المعرفة الدينية.
1. اثنتا عشرة سنة من العمل: الكتاب الذي سبق لحظة صدوره
من أكثر المعطيات أهمية في تاريخ الكتاب أن مشروعه لم يولد سنة 2003. فقد صرح جهادي بأن إنجاز العمل استغرق حوالي 12 سنة، وأنه لم يكن مشروعًا بسيطًا؛ فالقرآن يضم 114 سورة و60 حزبًا، وهو ما يفرض قراءة وفهمًا ومقارنة بين التفاسير والترجمات والمراجع المختلفة.
كما تحدث عن اعتماده على أكثر من سبعين مرجعًا، وهو ما يبين أن العمل، من وجهة نظر صاحبه، لم يكن ترجمة عفوية أو مباشرة، وإنما اجتهادًا فرديًا طويل النفس. وقد نقلت دراسات حول الترجمة الأمازيغية للقرآن هذه الشهادة عن جهادي، مشيرة إلى أنه اعتمد على الترجمات السابقة إلى لغات أخرى، وعلى التفاسير المشهورة والمراجع العربية والأمازيغية.⁵
وبذلك يصبح تاريخ 2003 تاريخ نشر أكثر منه تاريخ بداية المشروع
وهذه الملاحظة مهمة جدًا، لأنها تمنعنا من اختزال الكتاب في سياق تأسيس IRCAM أو اعتماد تيفيناغ فقط. فالمشروع كان قد تشكل قبل ذلك، ثم وجد في بداية القرن الحادي والعشرين المناخ الثقافي والمؤسسي الذي سمح له بالظهور.
4.القرآن والأمازيغية
الكتاب ليس ترجمة إلى «الأمازيغية المعيارية» بالمفهوم الذي سيترسخ لاحقًا داخل المؤسسات التعليمية واللغوية المغربية، وإنما هو عمل ينتمي إلى تاشلحيت، أي إلى المجال اللغوي الأمازيغي للجنوب المغربي، بما في ذلك المجال السوسي وآيت باعمران وهنا تكتسب الترجمة قيمة إضافية؛ لأن تاشلحيت كانت قد راكمت قبل ذلك تقليدًا طويلًا من الإنتاج الديني والأدبي، كثير منه مكتوب بالحرف العربي، خصوصًا في البيئة العلمية السوسية.
ومن ثم فإن جهادي لا يبدأ من فراغ؛ بل يستعيد، بطريقة حديثة ومطبوعة، تقليدًا قديمًا كانت فيه الأمازيغية لغة للشرح والوعظ والشعر الديني والتأليف المحلي.
وهذا ما يجعل الكتاب صلة بين الماضي والحاضر: بين تقليد «الأمازيغية الدينية» المكتوبة بالحرف العربي، وبين مشروع حديث يسعى إلى جعل الأمازيغية قادرة على استيعاب النصوص الكبرى في الثقافة الإسلامية.⁶
1. لماذا اختار الحرف الارامي/العربي؟ بين الموروث والتحول
من أكثر عناصر الكتاب إثارة للانتباه أن نصه الأمازيغي الأساسي مكتوب بالحرف العربي، في الوقت الذي كان فيه المغرب يدخل مرحلة جديدة في كتابة الأمازيغية، انتهت باعتماد تيفيناغ نظامًا رسميًا للكتابة.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية بوضوح: في الغلاف نجد تيفيناغ، وفي جسم الكتاب نجد الحرف العربي؛ أي أن الكتاب نفسه يبدو وكأنه يجسد لحظة انتقال بين نظامين كتابيين. وتوضح دراسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن اعتماد تيفيناغ تم في 10 فبراير 2003، أي قبل صدور ترجمة جهادي بفترة وجيزة. وهذا التقارب الزمني يجعل الكتاب وثيقة مهمة في دراسة التحول الكتابي الذي عرفته الأمازيغية المغربية.⁷ أما اختيار الحرف العربي، فيرتبط بتقليد قديم في سوس وباعتماد قطاعات واسعة من المتعلمين والقراء على هذا الحرف، كما أنه يعكس قناعة عملية تتعلق بإمكانية وصول الكتاب إلى القارئ الذي ألف الكتابة العربية. وهكذا لا ينبغي قراءة الحرف العربي في الكتاب باعتباره مجرد خيار تقني، بل باعتباره امتدادًا لتاريخ طويل من الكتابة الأمازيغية بالحرف العربي.

1. منهج جهادي في ترجمة القرآن: بين ورش والتفسير واللغة
لم يقدم جهادي عمله باعتباره نقلًا ميكانيكيًا للنص القرآني، بل أشار إلى مجموعة من الأدوات التي اعتمدها في إنجاز ترجمته. فقد اعتمد، كما يصرح، رواية ورش عن نافع، وهي الرواية ذات الحضور التاريخي القوي في المغرب، واستعان بطرائق الترجمة من بعض اللغات الأخرى، وركز على التفاسير المشهورة، وعلى أمهات مراجع اللغة العربية، وعلى تفسير القرآن بالقرآن، وبالأحاديث الصحيحة، وبأقوال الصحابة، فضلًا عما تلقاه عن شيوخه.
وهذا المنهج يجعل العمل أقرب إلى ترجمة تفسيرية للمعاني منه إلى ترجمة حرفية. ومع ذلك، تلاحظ الدراسة الأكاديمية الصادرة عن IRCAM أن جهادي لم يذكر في كتابه المراجع بأسمائها على نحو تفصيلي، وإنما تحدث عنها بصورة عامة، وهو أمر يمكن أن يمثل نقطة تستحق الدراسة النقدية من زاوية المنهج العلمي والتوثيق.⁸
1. هل كان جهادي أول من ترجم القرآن إلى الأمازيغية؟
(يتبع)

Loading...