لحظة فرح ….بقلم : منير الدايري

المغربية المستقلة :   بقلم  منير الدايري

بعد ظهيرة طويلة قضيتها في النوم العميق، استيقظتُ على وقع نسمة رقيقة تسللت من نافذتي المواربة. كانت الشمس قد بدأت تغيب، تاركةً خيوطًا ذهبية تتسلق الجدران كأنها ترسم لوحة لا تكتمل. في تلك اللحظة من السكون، تركتُ لخيالي العنان، فوجدتني أتخيل نفسي شخصية غريبة الأطوار: راقصًا شعبيًا يرتدي زيًا تقليديًا فضفاضًا، مطرزًا بخيوط الفضة، وفي يدي عصا مزخرفة تنتهي بجرس صغير يرن مع كل حركة.
تخيلتُ أنني، في تلك اللحظة، تلقيتُ رسالة غامضة من مصدر مجهول، تخبرني بأنني مدعوّ لمهرجان سري يُقام في مكان لا يعرفه سوى من يحملون قلبًا خفيفًا. كانت الدعوة مكتوبة بخط يدوي أنيق على ورقة صفراء متآكلة الحواف، كأنها جاءت من زمن بعيد. حملتُ عصاي، وانطلقتُ في طريق ترابي متعرج، تحيط به أشجار زيتون عتيقة تميل أغصانها كأنها تشير إلى وجهتي.
كنتُ أمشي بخطى متثاقلة في البداية، أحسّ بثقل السنين التي عشتها، لكن مع كل خطوة بدأتُ أشعر بخفة غريبة، كأنني أترك خلفي همومًا كانت تثقل كاهلي دون أن أدركها. وفجأة، وجدتُ نفسي أمام بوابة خشبية ضخمة، مزينة بزهور برية متشابكة، تفوح منها رائحة العسل والياسمين. كانت الأضواء تتراقص خلفها، وأصوات الضحكات والموسيقى تملأ الهواء كسحر لا يُقاوم.
عبرتُ البوابة، فإذا بي أجد نفسي في ساحة واسعة، تحيط بها خيام ملونة، وفي وسطها منصة مرتفعة يرقص عليها أشخاص بملابس غريبة ومبهجة. كان المكان يشبه لوحة حية، مزيجًا من الفوضى المنظمة والجمال العفوي. اقتربتُ من المنصة، ورفعتُ عصاي عاليًا، فبدأ الجرس يرن بنغمة واضحة، كأنها دعوة للجميع للانضمام إلي. لم أكن أعرف الرقصة، لكن قدميّ بدأتا تتحركان تلقائيًا، كأن الموسيقى تسيطر على جسدي.
بينما أرقص، لمحتُ فتاة تقف على حافة الساحة، ترتدي ثوبًا أخضر مزينًا بأزهار صغيرة، وعيناها تلمعان كنجمتين في سماء صافية. اقتربتُ منها، ومددتُ يدي في حركة عفوية. ابتسمتْ، وقالت بصوت دافئ كأغنية شعبية قديمة: “أنا زهرة، من قرية التلال الخضراء.” أمسكتْ بيدي، وانضمت إلي في الرقصة. كانت خفيفة كريشة، وكأنها تعرف كل خطوة قبل أن أفكر بها.
دارت بنا الساحة، وتحولت الأضواء إلى ألوان متلألئة ترسم أشكالاً غريبة في الهواء. شعرتُ أنني أطير، أن قلبي ينبض بنغمة جديدة لم أعرفها من قبل. كانت تلك اللحظة، لحظة الفرح الحقيقية، حيث نسيتُ من أكون، ومن أين أتيت، ولم يعد يهمني سوى الإحساس بالحرية التي منحتني إياها تلك الرقصة مع زهرة.
وفجأة، توقفتْ الموسيقى، وخيّم السكون على المكان. نظرتُ حولي، فوجدتُ الجميع ينظرون إليّ بابتسامات غامضة. اقتربتْ زهرة مني، وهمستْ في أذني: “هذا المهرجان لا ينتهي، لكنه يعيش في قلبك إلى الأبد.” ثم اختفتْ مع الريح، تاركةً في يدي زهرة صغيرة خضراء تفوح منها رائحة التلال.
عدتُ إلى غرفتي مع الفجر، وأنا أحمل تلك الزهرة. جلستُ على كرسيي القديم، ونظرتُ إلى السماء التي بدأت تتفتح بنور الصباح. لم أكن أعرف إن كان ما عشته حلمًا أم حقيقة، لكنني شعرتُ أنني وجدتُ شيئًا لن أفقده أبدًا: لحظة فرح حقيقية، محفورة في روحي كنجمة لا تغيب.

Loading...