المغربية المستقلة : كتاب الرأي

أبرق الانسحاب الامريكي من سوريا بشكل جلي وواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية USA، لم تزل كما كانت سابقا في إطار القطبية الواحدة، أي أنها القائد الوحيد والأوحد للعالم، خصوصا بعد الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي فسح لها المجال لإشعال العديد من الحروب الإمبريالية، هدفت من خلالها إلى إضعاف الدول وتصريف مصنوعاتها من السلاح، ومضاعفة احتياطها من البترول، خاصة ما يتعلق بحرب الخليج الثانية، التي قادتها أمريكا على العراق سنة 1991م، ردا على احتلال الرئيس صدام للكويت.
ما كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تعلن الحرب على العراق لتحرير الكويت وإعادة السلطة لحكومة الشيخ جابر الصباح المخلوعة، بعد إرغام الرئيس العراقي صدام حسين على الانسحاب من الكويت “المقاطعة العراقية حسب تعبير صدام”، ولا حتى حماية السعودية ودول الخليج من الخطر العراقي المتفاقم والمتنامي بسرعة مهولة، وإنما كانت أطماعها ونزواتها تفوق ذلك بكثير، يتعلق الأمر هاهنا بالرغبة في إضعاف العراق من الناحية العسكرية، إذ كانت جيوش صدام تنيف المليون أنداك، الأمر الذي أصبح يهدد أمن الكيان الإسرائيلي الذي يدخل ضمن الأمن القومي الأمريكي، زيادة عن الحاجة الى تصريف الأسلحة، والتي ستدفع الدول الخليجية ثمنها باعتبارها المستنجد وأمريكا هي “البطل” المنقذ.
عموما كانت أمريكا تحمل الدول الخليجية تكاليف الحملة على العراق، دون أن ننسى استفادتها من الدعم المالي المقدم من طرف دول أخرى غير خليجية ولا عربية، فخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي baker، ليوم 16شتنبر من سنة 1990م، لعدد من الدول، أعلن أنه حصل على وعود بمبالغ مالية تقدر ب 20مليار دولار كمساهمة في تكاليف الحرب، توزعت على الشكل التالي: (12مليار من السعودية، 4 مليار من اليابان، 2مليار من ألمانيا، 2 مليار من دول أخرى.).
واللافت للنظر هنا : لماذا لم يحرك الاتحاد السوفياتي ساكنا للحيلولة دون وصول الولايات المتحدة الأمريكية الى مبتغاها، باعتباره عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي وفاعلا أساسيا في الساحة السياسية الدولية؟؟؟.
الإجابة على هذا السؤال هو أن الاتحاد السوفياتيURSS في تلك الفترة كان يعيش مرحلة مرضه الأخيرة التي لم يتمكن من الخروج منها، إلا مقطع الأشلاء مفككا ومجزأ الى دويلات مستقلة عن المركز أي روسيا، حيت بدأ انهيار صرحه العتيد مع انهيار جدار برلين سنة 1989م، الذي أذن بسقوطه، الأمر الذي أفرز تفوق المعسكر الغربي الليبرالي بقيادة أمريكا USAعلى حساب المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتيURSS.
وبعيدا عن ذا وذاك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتريث يوما في التفكير في استعمار العراق، إذ تجددت حربها من جديد على هذه الدولة العربية المسلمة، وأمام أنظار العالم وعلى مسمع منه سنة 2003م، وذلك تحت يافطة البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي أثبتت التقارير الأممية فيما بعد انعدامها بالبلاد. وهنا يطرح السؤال لماذا العراق يا ترى ؟.
ببساطة العراق دولة نفطية تنتمي الى منظمة الأوبك التي تنضوي تحتها العديد من الدول المنتجة للبترول، كالسعودية وقطر والكويت…، كما يحتل احتياطها من البترول مرتبة متقدمة على الصعيد العالمي، الأمر الذي سيل ولا يزال يسيل لعاب الأمريكان ويزيد من رغبتهم في احتلال هذه البلاد في كل مرة.
انسحبت الأمريكان من العراق بعد أن قاموا بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين ليلة عيد الأضحى لسنة 2006م، وبعد أن لحقتهم أضرار جسيمة في الأرواح والمعدات العسكرية، الأمر الذي حال دون استمتاعهم بنشوة الانتصار خصوصا أمام الضغط الدولي والقرارات الأممية التي قطعت آمالهم في تحقيق مرادهم، فخرجت أمريكا من العراق تجر خلفها أذيال الخيبة والألم كما وقع لها قبل ذلك في الصومال مع الجنرال عديد سنة1993م، حيت تمكن الصوماليون من إلحاق هزيمة تاريخية بفيلق الرينجرز الأمريكي أرغمته على الانسحاب تحت الغطاء الأممي.
وباندلاع “الربيع العربي” واشتعال المظاهرات في سوريا، قررت أمريكا نزع الشرعية للرئيس الأسد الذي لم يرض بالتبعية لها في يوم من الأيام، تلاه بعد ذلك إنشاء قاعدة عسكرية بسوريا لتقديم الاستشارة والدعم للمعارضة والإرهابيين تحت ضالة محاربة داعش، التي بدأت أول ما بدأت في العراق لتسيطر بعد ذلك على بعض الأراضي السورية. فهل انسحبت أمريكا من سوريا بعد دحر داعش وتقلص مداها؟؟.
الجواب: ظلت أمريكا في سوريا بعد انهزام داعش وتقلص مداها، يحدوها الأمل في سقوط النظام وتشكيل نظام جديد تابع لها في سوريا، غير أن اتحاد الدب الروسي والتنين الصيني وتدخل ايران وحزب الله عسكريا في ميادين القتال، بخر آمال الأمريكان وحد من طموحاتهم في المنطقة هم وحلفاءهم، الشيء الذي أجبرها في نهاية المطاف على سحب جنودها من سوريا على أثر نغمة مقولة رددها ترامب “أمريكا لا يمكن أن تظل تلعب دور الشرطي في الشرق الأوسط”، أهـ ، أو غيرها من الأقاويل التي حاول من خلالها تبربر الانسحاب من سوريا.
لقد شكل بقاء النظام السوري واستمرار الأسد في الحكم صفعة أنيقة لأمريكا، جعلتها تعي أن زمن القطبية قد ولى وانتهى إلى غير رجعة، وأن واقع القوة الاقتصادية والعسكرية أصبحت من نصيب دول أخرى كـ “روسيا” و”الصين”…ولا يمكن أن تظل حكرا عليها، الشيء الذي جعلها اليوم “طليعة الانحطاط”.
تماشيا مع ما سبق ، فإن أمريكا استعصت عنها حديقتها الخلفية التي أبت الانصياع والتبعية، يتعلق الأمر هنا بالذات ببنزويلا التي عارضت السياسة الأمريكية منذ عهد المعسكرين، الشي الذي جعلها تعمل على قلب نظامها السياسي الذي يترأسه الرئيس المنتخب لويس مادورو، وذلك بدعها للانقلاب الذي تزعمه رئيس البرلمان الفنزويلي خوان كوايدو الذي نصب نفسه رئيسا للبلاد، بتزكية من أمريكا والعديد من الدول الأوربية والعربية من مثل اسبانيا وفرنسا وبريطانيا والمغرب ومصر والسعودية وكندا وكولومبيا…
بدأت الخطة الأمريكية تبرز في الأفق خاصة عندما برزت التهديدات الأمريكية للرئيس الشرعي للبلاد، والذي أبرز عن صلابة موقف وقوة عزيمة وشكيمة أكدتها القوات العسكرية أو ما يعرف بالجيش البولفاري الذي أسسه سيمون بولفار محرر الجنوب الأمريكي، والتي أبانت عن رغبتها وإرادتها ورسوخ عقيدتها في الدفاع عن البلاد من أي غزو أجنبي محتمل كيفما كان نوعه.
لم تتوانى أمريكا في الدفع بالبلاد الفنزويلية إلى حرب أهلية ستكون عواقبها وخيمة على الدولة المخترقة، باختلاق الذرائع (المساعدات) وغيرها، بل قامت باختراق محطات الكهرباء القريبة من العاصمة مما أدى إلى وفاة العديد من الأشخاص .
مهما يكن من أمر فإن انفلات الحديقة الخلفية لها من بين أيديها يبرز مدى التراجع والوهن الذي أصاب الدولة التي لطالما قادت العالم وأرغمته للخضوع لسلطتها ورحمتها. وهنا يطرح السؤال: هل بتراجع الدولة الأمريكية وبروز أقطاب قوية جديدة سيؤدي إلى انهيار الامبراطورية الأمريكية العتيقة؟؟.
