المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
في عالمٍ يفترض أن تكون فيه الرياضة مساحةً للإنصاف، لا تزال بعض الأبواب تُفتح بمعايير لا علاقة لها دائماً بالكفاءة. غير أن قصة الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان جاءت لتكشف مفارقة صارخة: قد تستطيع الحدود إيقاف إنسان، لكنها عاجزة عن إيقاف موهبته.
أرتان كان ضمن الحكام المرشحين للمشاركة في كأس العالم 2026، قبل أن يجد نفسه في قلب جدل واسع بعدما مُنع من دخول الولايات المتحدة. القرار وضع مسيرته أمام لحظة قاسية، وفتح أسئلة محرجة حول معنى العدالة وتكافؤ الفرص عندما يصبح جواز السفر أقوى من السيرة المهنية.
لكن الرجل لم يدخل في بازار الضجيج.
اختار الملعب.
وهناك تحديداً جاء الرد الذي لا يحتاج إلى خطب سياسية ولا بيانات احتجاجية.
الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA وضع ثقته في أرتان، وأسند إليه إدارة كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، في خطوة تاريخية جعلته أول حكم غير أوروبي يقود هذه المواجهة المرموقة.
ثم جاءت صافرة البداية.
لم يعد الحديث عن المنع، ولا عن الحدود، ولا عن الجدل الذي سبق البطولة. أصبح الحديث عن الحكم الذي يقف وسط الملعب، وعن قراراته، وعن قدرته على إدارة واحدة من أكبر المباريات الأوروبية.
وانتهت المواجهة بفوز باريس سان جيرمان على أستون فيلا 2-1، لكن النتيجة الأهم لم تكن تلك التي ظهرت على لوحة الملعب.
النتيجة الأعمق كانت أن أرتان عاد إلى الواجهة من الباب الذي لا يمكن إغلاقه بسهولة: باب الاستحقاق.
وهنا تبدو المفارقة ساخرة إلى حدّ المرارة.
منعته إجراءات العبور من الوصول إلى بطولة عالمية، فإذا به يصل إلى مباراة أوروبية كبرى.
تراجع اسمه في مشهد المونديال، فتقدم اسمه في واحدة من أرفع منصات التحكيم الأوروبية.
أراد البعض أن يكون القرار نهاية الحكاية، فإذا به يتحول إلى فصل جديد منها.
هذه ليست قصة حكم صومالي فحسب؛ إنها رسالة صارمة إلى كل من يعتقد أن الإنسان يمكن اختزاله في وثيقة سفر.
المواهب لا تحمل جوازات سفر، والكفاءة لا تحتاج إلى تأشيرة.
كرة القدم التي تتغنى بمكافحة العنصرية والتمييز مطالبة بأن تجعل مبادئها ممارسة حقيقية، لا شعارات للاستهلاك الإعلامي. فالرياضة تفقد معناها عندما تتحول العدالة فيها إلى امتياز، والفرصة إلى منحة، والكفاءة إلى ضحية للظروف السياسية أو الإدارية.
لقد كان بإمكان أرتان أن يرد بالغضب، لكنه اختار أن يرد بالعمل.
وكان بإمكانه أن يجعل من الإقصاء نهاية، لكنه جعله وقوداً للعودة.
وفي النهاية، جاءت الصافرة لتقول ما عجزت عنه كل الكلمات:
من يُغلق في وجهه بابٌ ظلماً، قد يفتح له التاريخ أبواباً أكبر.
لقد خرج عمر أرتا من هذه القصة ليس كحكم فقط بل كعنوان للاستحقاق ورسالة صارمة مفادها أن الظلم قد يزخر الاعتراف لكنه لا يستطيع الى الابد مصادرة المجد .
وماضاع حق وراءه مطالب
خصوصا عندما يكون الرد بصافرة ، والملعب هو منصة العدالة .
