الانتخابات المقبلة بالمغرب.. بين سباق الأحزاب وانتظارات المواطن

المغربية المستقلة  : بقلم فاطمة الزهراء اروهالن /  بروكسيل

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة تتسم بكثير من الترقب، ليس فقط داخل الأحزاب السياسية، وإنما أيضاً في أوساط المواطنين الذين ينظرون إلى هذا الاستحقاق باعتباره محطة لتجديد المؤسسات والنخب، وفرصة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي. وقد بدأت الاستعدادات الرسمية والحزبية تأخذ إيقاعاً متسارعاً، من خلال اللقاءات التي جمعت وزارة الداخلية بمختلف الأحزاب، سواء الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه، إلى جانب مراجعة اللوائح الانتخابية والاستعدادات التنظيمية المرتبطة بالاستحقاق.
غير أن انتخابات 2026 لا تأتي في ظروف عادية. فالعالم يعيش على وقع أزمات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد المخاوف المرتبطة بالمستقبل الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي وسوق الشغل والتكنولوجيا. وفي ظل هذه البيئة المضطربة، يبدو أن المواطن المغربي أصبح أقل اهتماماً بالشعارات السياسية وأكثر انشغالاً بما يمكن أن تفعله المؤسسات والأحزاب لتحسين حياته اليومية.
الأحزاب تستعد.. ولكن المواطن ينتظر
من الواضح أن الأحزاب المغربية دخلت فعلياً مرحلة الاستعداد للانتخابات المقبلة. فقد عقدت وزارة الداخلية لقاءات مع القيادات الحزبية في إطار التحضير للاستحقاق، كما شرعت مجموعة من الأحزاب في ترتيب صفوفها واختيار مرشحيها ووضع استراتيجياتها الانتخابية. وتكشف المعطيات المنشورة عن توجه لدى عدد من التنظيمات نحو حسم الترشيحات مبكراً، مع محاولة الجمع بين الحفاظ على الوجوه التي راكمت تجربة انتخابية وبين تقديم أسماء جديدة.
وفي هذا السياق، أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار عن لائحة مرشحيه، مشيراً إلى أن أكثر من 36 في المائة من الوجوه المرشحة جديدة، وهو ما يعكس محاولة لتجديد النخب السياسية. كما أعلن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أنه حسم في نحو 80 في المائة من أسماء مرشحيه ومرشحاته، بينما تكثف أحزاب أخرى أنشطتها التنظيمية والتواصلية استعداداً للمعركة الانتخابية.
وفي المقابل، يراهن حزب الأصالة والمعاصرة، وفق ما أعلنته قياداته، على تصدر النتائج في عدد من المناطق، واضعاً القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء ضمن القضايا التي سيخاطب بها الناخبين.
أما على مستوى اليسار، فقد شهد المشهد السياسي خطوة لافتة بإعلان قيام تحالف لليسار بين الفيدرالية الديمقراطية لليسار والحزب الاشتراكي الموحد، في محاولة لإعادة تجميع قوى اليسار وخوض الاستحقاق الانتخابي برؤية أكثر تنسيقاً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تتطابق حسابات الأحزاب مع أولويات المواطن؟
المواطن يريد حلولاً لا شعارات
المواطن المغربي اليوم ليس هو نفسه المواطن الذي كان يتابع الحملات الانتخابية قبل سنوات. فقد أصبحت لديه قدرة أكبر على المقارنة والمساءلة والوصول إلى المعلومات، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وتطور الإعلام الرقمي.
وفي الحياة اليومية، تبرز قضايا القدرة الشرائية، والأسعار، والسكن، والصحة، والتعليم، وفرص الشغل، والنقل، والإدارة، والعدالة المجالية، باعتبارها من أكثر الملفات التي تؤثر في علاقة المواطن بالسياسة.
ولذلك، فإن الناخب المغربي قد لا يكون في حاجة إلى عشرات الوعود الانتخابية بقدر حاجته إلى إجابات واضحة عن أسئلة بسيطة ولكنها حاسمة:
كيف سيتم تحسين الدخل؟
كيف سيتم التحكم في الأسعار؟
كيف سيتم خلق فرص شغل حقيقية للشباب؟
كيف ستتحسن الخدمات الصحية والتعليمية؟
كيف ستصل ثمار التنمية إلى مختلف المناطق؟
وكيف يمكن محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح؟
إن المواطن لا يريد بالضرورة خطاباً مثالياً، بل يريد برنامجاً قابلاً للتنفيذ، وأرقاماً واقعية، ومسؤولين مستعدين لتحمل مسؤولية ما يقولونه.
ولهذا السبب، فإن الانتخابات المقبلة قد تكون اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب على الانتقال من منطق الحملة الانتخابية إلى منطق التعاقد السياسي.
معركة الثقة قبل معركة الأصوات
ربما يكون التحدي الأكبر أمام الأحزاب المغربية اليوم هو استعادة الثقة.
فالعمل الحزبي، في أي نظام ديمقراطي، يفترض أن يكون جسراً بين المواطن والمؤسسات. والحزب ليس مجرد آلة انتخابية تظهر قبل موعد الاقتراع، بل مؤسسة للتأطير السياسي، وتكوين النخب، واقتراح الحلول، ومراقبة السياسات العمومية، والدفاع عن مصالح المواطنين.
وقد أصبحت مسألة العزوف السياسي، وخصوصاً عزوف الشباب، من القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً. وتشير نقاشات سياسية وأكاديمية حديثة إلى أن الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، والعزوف عن المشاركة السياسية والانتخابية، يمثلان تحديين مترابطين أمام الحياة الحزبية المغربية.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب في تقديم وجوه جديدة، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنسائية، وتجديد الخطاب السياسي، والابتعاد عن اللغة الخشبية التي لم تعد تقنع جيلاً يعيش في عالم سريع التغير.
وقد بدأت بعض الأحزاب فعلاً في إعطاء أهمية أكبر للتجديد، فيما تحاول التنظيمات الشبابية الحزبية استعادة حضورها في الميدان وعلى شبكات التواصل الاجتماعي بهدف تشجيع الشباب على التسجيل والمشاركة.
لا يمكن الحديث عن تجديد الحياة السياسية دون الحديث عن حضور النساء والشباب.
فالمجتمع المغربي تغير كثيراً، وأصبحت المرأة حاضرة بقوة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، كما أن الشباب يمثل نسبة مهمة من المجتمع ويعيش تحولات عميقة في علاقته بالدولة والمجتمع والسياسة.
ومن ثم، فإن الرهان لا ينبغي أن يكون فقط على استقطاب النساء والشباب كأصوات انتخابية، وإنما على تمكينهم من مواقع القرار داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، ظهرت مبادرات لرصد مدى التزام الأحزاب بتمكين النساء سياسياً، وهو نقاش يعكس تنامي الاهتمام بجودة التمثيلية وليس فقط بحجم المشاركة.
العالم يتغير.. والمغرب يحتاج إلى أحزاب تفكر في المستقبل
لا يمكن فصل الانتخابات المغربية عن السياق الدولي.
فالعالم يعيش مرحلة شديدة التعقيد: صراعات وحروب، اضطرابات في الأسواق، تحولات في الطاقة، تغيرات مناخية، تطور متسارع للذكاء الاصطناعي، وتنافس اقتصادي عالمي متزايد.
كل هذه التحولات سيكون لها أثر مباشر أو غير مباشر على المغرب.
ومن هنا، فإن البرامج الانتخابية المقبلة مطالبة بأكثر من الحديث عن قضايا التدبير اليومي. المواطن يريد أن يعرف أيضاً كيف ستتعامل الأحزاب مع اقتصاد المستقبل، ومع الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والأمن المائي والغذائي، والطاقة، والتعليم الجديد، ومستقبل الوظائف، والتغيرات المناخية.
لقد أصبح من الصعب إقناع المواطن ببرنامج انتخابي لا يقدم رؤية للمغرب خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة.
فالانتخابات ليست فقط اختيار أشخاص لتمثيل المواطنين داخل البرلمان، وإنما هي أيضاً اختيار اتجاه سياسي واقتصادي واجتماعي للبلاد.
النزاهة والشفافية.. شرط أساسي للثقة
من جهة أخرى، تظل نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها من أهم عناصر بناء الثقة.
وقد انطلقت بالفعل عمليات مرتبطة بمراجعة اللوائح الانتخابية، كما عقدت وزارة الداخلية لقاءات متعددة مع الأحزاب لتقديم الإطار التنظيمي والاستعدادات المتعلقة بالاستحقاق. وفي يوليوز 2026 تم إطلاع الأحزاب كذلك على تفعيل لجنة مركزية لتتبع الانتخابات في إطار الاستعدادات التنظيمية.
لكن المواطن لا يريد فقط انتخابات منظمة من الناحية التقنية؛ بل يريد أن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن المنافسة السياسية تقوم على البرامج والكفاءة والنزاهة، وأن المال والنفوذ والعلاقات الشخصية لا يمكن أن تحل محل الإرادة الانتخابية.
ولهذا، فإن تعزيز الثقة يمر عبر جعل المنافسة الانتخابية أكثر ارتباطاً بالبرامج والأفكار، وإعطاء المواطن فرصة حقيقية للمقارنة بين المشاريع السياسية.
المواطن أمام مسؤولية تاريخية
ومهما كانت مسؤولية الأحزاب والدولة والمؤسسات، فإن المواطن نفسه يتحمل جزءاً أساسياً من مسؤولية نجاح العملية الديمقراطية.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مناسبة لانتظار المرشح لتقديم منفعة شخصية، ولا مجرد موسم للشكوى أو التعبير عن الغضب.
إن التصويت الواعي هو الذي يقوم على تقييم المرشح والحزب وبرنامجه، وعلى مساءلة المنتخب بعد نجاحه، وليس فقط قبل الانتخابات.
وإذا كان المواطن غير راضٍ عن أداء بعض السياسيين، فإن الحل لا يكمن في الابتعاد عن الانتخابات، وإنما في المشاركة والاختيار والمحاسبة.
إن العزوف قد يبدو في لحظته موقفاً احتجاجياً، لكنه في النهاية يترك القرار للآخرين.
انتخابات 2026.. هل تكون بداية جديدة؟
ربما تكون الانتخابات المقبلة فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والحزب والمؤسسة.
فالأحزاب مطالبة بأن تقدم للناخب سياسة واقعية لا سياسة شعارات، وأن تجعل من برامجها عقوداً واضحة يمكن محاسبتها على أساسها.
والمواطن بدوره مطالب بأن يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مسؤولية وطنية، وأن يختار على أساس الكفاءة والنزاهة والبرنامج، لا على أساس الانتماء العائلي أو الولاءات الشخصية أو الوعود الظرفية.
أما الدولة والمؤسسات المشرفة على الانتخابات، فمسؤوليتها تكمن في توفير شروط المنافسة العادلة، وضمان احترام القانون، وتعزيز الشفافية، وحماية العملية الانتخابية من كل ما يمكن أن يضعف ثقة المواطن فيها.
كلمة أخيرة
إن المغرب يدخل استحقاق 2026 في عالم مختلف عن عالم الانتخابات السابقة. عالم أكثر اضطراباً، وأكثر سرعة، وأكثر تعقيداً.
وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج المواطن إلى سياسيين يتقنون فقط لغة الانتخابات، بل إلى سياسيين يتقنون لغة الواقع.
يحتاج إلى من يحدثه عن الأسعار دون تجميل، وعن البطالة دون شعارات، وعن الصحة والتعليم دون مبالغة، وعن المستقبل دون أوهام.
ويحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن مشاركته لها معنى، وأن المؤسسات التي يختارها قادرة على تحويل الوعود إلى سياسات ونتائج.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية في انتخابات 2026 لن تكون فقط بين الأحزاب للحصول على أكبر عدد من المقاعد، وإنما ستكون، في العمق، معركة من أجل استعادة ثقة المواطن في السياسة وفي جدوى المشاركة الديمقراطية.
ومن ينجح في كسب هذه الثقة لن يكون قد ربح الانتخابات فقط، بل سيكون قد ربح التحدي الأكبر: إعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره خدمة عمومية ومسؤولية وطنية، وليس مجرد طريق للوصول إلى السلطة.

Loading...