المغربية المستقلة : بقلم الاعلامي حسن مقرز بروكسيل
في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية ساحةً مفتوحةً للرأي والتعبير، برزت فئة من المستخدمين على تطبيق “تيك توك” تُقدِّم نفسها بوصفها حاميةً للوطن ومدافعةً عن قضاياه. غير أن المتتبع لما يُنشر تحت هذا الغطاء يلحظ انحرافًا واضحًا عن مفهوم الوطنية الحقيقية، إذ تحوّلت بعض الحسابات إلى منابر للسبّ والقذف والإساءة، متجاوزةً حدود الذوق العام، ومخالفةً لقيم المجتمع وأخلاقه.
فالوطنية ليست شعاراتٍ تُرفع ولا ألفاظًا تُطلق في فضاء الإنترنت، بل هي سلوكٌ يُترجم في احترام الوطن ومؤسساته وأبنائه، وفي الإسهام في نهضته بوعيٍ ومسؤولية.
إلا أن بعض من يُطلقون على أنفسهم “وطنيين” عبر المنصات الاجتماعية اختزلوا الانتماء في الإساءة للآخرين والتشهير بالمخالفين، معتبرين أن رفع الصوت والصراخ أمام الكاميرا دليلٌ على الولاء، وأن الإسفاف نوعٌ من الحماسة الوطنية. وهي صورة مشوّهة تسيء إلى الوطن أكثر مما تخدمه.
وما يدعو إلى القلق أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الألفاظ النابية، بل تمتد إلى محتوى يُخِلّ بالحياء العام، ويُشجع على الانقسام المجتمعي، في وقتٍ يحتاج فيه الوطن إلى خطابٍ راقٍ ومسؤولٍ يُوحِّد ولا يُفرّق، ويُعزّز الوعي لا الجهل، والأدب لا الانحطاط.
فمتى تتدخل السلطات؟
تتدخل السلطات المختصة عندما يتحوّل ما يُسمّى بالدفاع عن الوطن إلى تجاوزٍ على النظام العام، أو إساءةٍ إلى الأفراد أو المؤسسات، أو نشرٍ لمحتوى مخالفٍ للقيم والأخلاق العامة.
فالأنظمة القائمة تجرّم السبّ والقذف والتحريض والإخلال بالآداب العامة، مهما كانت الذريعة أو النية المعلنة.
ومتى ما تجاوز “المحتوى الوطني” حدوده القانونية والأخلاقية، يصبح من واجب الجهات المختصة التدخل لحماية صورة الوطن من التشويه باسم الوطنية نفسها، وضمان أن تبقى حرية التعبير مسؤولية وليست فوضى.
فالمسؤولية في مواجهة هذه الممارسات لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تشمل المجتمع بأسره، والمنصات الرقمية التي تُتيح لهذا المحتوى الانتشار دون رقابة كافية.
كما أن من الواجب أن تُفعَّل القوانين والأنظمة الرادعة بحق من يتجاوزون حدود الأدب العام أو يسيئون إلى الآخرين تحت ذريعة “الدفاع عن الوطن”، حتى لا يُترك المجال لمن يستغلون الوطنية لتحقيق مكاسب شخصية أو شهرة زائفة.
فالوطنية الحقة تُقاس بالفعل قبل القول، وبالإخلاص قبل الادعاء.
هي التزامٌ بالقيم، وإخلاصٌ في العمل، وحرصٌ على سمعة الوطن وصورته في الداخل والخارج.
ومن أراد أن يُعبّر عن وطنيته، فليكن قدوةً في خُلُقه، ومثالًا في لُغته، لا إساءةً تتخفّى خلف الشعارات.
وأكد خبير في الإعلام الرقمي أن بعض من يقدّمون أنفسهم كمدافعين عن الوطن عبر المنصات الاجتماعية يسيئون إلى صورته من حيث لا يشعرون، موضحًا أن الوطنية الرقمية تتطلب وعيًا، وثقافة قانونية، وأسلوبًا راقيًا في الطرح، لا ألفاظًا مسيئة ولا محتوى يثير الفتن.
وأضاف أن ترك مثل هذه السلوكيات دون ضبط قد يفتح الباب أمام خطابٍ منفرٍ ومشوّه، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة الانتماء الواعي، وتشجيع المحتوى الإيجابي الذي يعكس صورة الوطن المشرّفة.
