عنكبوت السيرك : من منودراما تحاكم العزلة إلى بوح بصيغة الجمع. ( نظر في الأبعاد الفنية و الجمالية للعرض)

المغربية المستقلة  : حمزة الصمدي باحث مسرحي

إن الأزمنة تختمر في ذاكرة المبدع، أو هكذا تبدو الأزمنة معلقة دوما بانتاجات المبدع كالثمرة اليانعة في شجن الشجر، و بما أن المسرح و منذ فجره الأول و عبر مختلف عصوره و أزمنته ضل يحاكي الأنماط المتعددة لعيش الإنسان و يتجرع من معين مآسيه كما يتشرب أسباب فرحته و ملهاته. هكذا كان دأب الكاتبة و الأديبة الأستاذة سعاد الوافي في نسج أجزاء نص مسرحي جاء كضرورة حتمية و تاريخية و إبداعية، تعبيرا من روحها المرهفة عن الواقع القاسي الذي عاشه المبدعين كما عامة الناس من عزلة و حجر لدواعي الأمن الصحي، ساقت الجميع إلى موت سريري للحرية بمفهومها و طقوسها و تقليدها، و أطفأت الدور التفاعلي الحي و المباشر للمسرح و المسرحيين، فَسيق المسرح إلى عزلة تامة.

لكن عند مبدعتنا الأستاذة سعاد الوافي، المسرح حياة لا يموت و إن عزل، فاستطاعت أن تمزق غلاف العزلة عبر الكتابة و الابداع، بل و جدت أن الوقت ملائم للاشتغال عن بعد و في عزلة تامة بأفكارها و مخيلتها و قلمها، فانطلقت و كانت النتيجة ولادة مسرحية فردية موسومة ” بعنكبوت السيرك” مآساة منودرامية على مقاس الجميع، تحاكي حياة عامل بالسيرك “مهرج و ساحر و مروض” تأثر بسؤال العزلة و تاه في طريق وجوده فيها، إلى أن اهتدى إلى الافصاح و البوح كخلاص و تطهير لنفسه. جاءت المسرحية كنتاج مشترك لما عاشه العالم ككل، فكانت صيغة الفرد تضيق بمبدعتنا و جعلتها الضرورة الاجتماعية للإنسان أن تحيك هذه المعاناة بصيغة الجمع، ثم و لأن المسرح في جوهره فن “وجودي”، كان لابد من أن ترى المسرحية النور على خشبات المسارح.

و لاستدعاء مكون اللمس و التلاقي في المسرح، الشيء الذي جاء به المخرج الروسي الشهير ”كوستونتين ستانسلافسكي” عن نوع من الشراكة و تبادل الأحاسيس و الحالات النفسية بين الممثلين و الجمهور، كما تحدث عن ”فهم” الجمهور و استيعابيهم في لحظات الإلهام المسرحية الحية، كما طور المسرحي البرازيلي ”أغوستو بوال” دور اللمس لتقريب الجمهور من خلال ما سماه ”مسرح المقهورين”، كون التقارب و الشعور الحي من أهم الأمور التي تؤتث لفرجة مسرحية ذات جودة فنية عالية. فكان ذلك منذ بدأت فرقة كنديلا آرت بالعمل على النص، لحمله فوق أكتافهم إلى دور العرض، لا ميتا و لكن ملكا و سلطانا.
“عنكبوت السيرك” كما أشار قلمنا أعلاه من تأليف الأستاذة المبدعة و الأديبة سعاد الوافي و إخراج الفنان عبد الكريم أبرنوص و تشخيص كل من الفنان عادل احسيسن و صلاح الدين المقيلي و الفنانة زينب ولاد غانم… نتطرق فيما يأتي لمكوناته الابداعية و الفنية.

بداية بالنص، فقد كان للتحول في عدد شخصياته رمزية تعبر عن كون المعاناة الناجمة عن العزلة و انقطاع الأنشطة الإنسانية، تحيل بل تستوجب طرحها بصيغة الجمع، نكاية في أوقات العزل و الوحدة و استحضارا لروح المسرح الجماعية و الترابطية. فجاء الصراع ثلاثي بتعبير عن نفس و دواخل ”حسن” المتشضية، فكان صراعه، علاوة مع عزلته، عميق في وجوده الإنساني، و تجدر الإشارة أن الاتكاء على منهج ”التحليل النفسي” لمؤسسه ”سيكموند فرويد” أمر ذكي من مبدعة العمل الأستاذة سعاد الوافي، انطلاقا من وضعية البداية و استقبالنا لجو المسرحية ثم الإنتقال لطرح الصراع و كشف الهوة الحاصلة في نفس البطل جراء عزلته، و تخليه عن ممارسة عمله كمهرج و ساحر و مروض بالسيرك ثم الانتهاء بالخلاص و الاعتراف و التطهير.

مرورا بالتشخيص فقد تشارك كل من الممثلين الثلاثة في النفوذ إلى دواخل “حسن” و طرحها بشكل متجزء يسهل فهمه و إدراكه عند المتفرج، فكان الفنان عادل احسيسن مدركا لمهمته و قد أبدع في إيصال شعوره و توصيل المعنى المبتغى من العمل و من شخصية ”حسن” و رافقه الفنان صلاح الدين المقيلي في تجسيد باقي أجزاء الشخصية، فكان التناغم و التكامل في أعلى مستوياتهما، ثم جاءت الفنانة زينب اولاد غانم لتؤكد أن ”كل شيء لا يؤنث، لا يعول عليه” حيث أضفت على التشكيلة لمسة الأنثى الحاضرة في كل شخص، نداء رقيق يرفض الانصياع للعزلة و ضمارها و يعلن تحد مستمر، طمعا في الحرية و الانعتاق.

أما الإخراج فكان في الأساس يعتمد على التصور الواقعي لإيصال المعاناة كما هي عليه، دون تغليفها بغلاف التجريب أو العبث أو السخرية السوداء، و إن حضرت هذه المكونات بين الفينة والأخرى، لكنها لم تؤثر على المسار الواقعي الذي بنى عليه المبدع عبد الكريم أبرنوص تصوره الإخراجي.

أما السينوغرافيا فهي ذلك الولع الدفين، و العشق القديم، في نفس الفنان عادل احسيسن، لاسيما أنه تقدم لدراسة السينوغرافيا في عدة مناسبات، لكنه اكتفى بالركح معلما و بالتجارب المسرحية المتعددة التي راكمها مدرسة، و بحسه الإبداعي زادا، فأبدع رائعة من روائعه، و هي توليفة تخدم العرض وظيفيا حيث كان المنظر يشكل بيت العنكبوت التي نسجت خيوطها باتساق و حرفية مع تسخير ثلاث مصطبات على شكل سلالم صغيرة تحولت و ظيفتها في النهاية لتصبح قضبانا و سجنا يمثل الوحدة و العزلة التي تجتاح “حسن”، أما جماليا فزادت السينوغرافيا العرض ألقا و أناقة و أتثت فضاء الخشبة، فبدا عامرا ممتلئا، مريح المنظر، لاسيما بتجانسه مع ألوان الإنارة و المؤثرات الصوتية.

أما فيما يخص الملابس فجاءت على شاكلة لباس العاملين بالسيرك؛ قميص أبيض دون رسومات و لا ألوان يرمز للخواء الذي أصاب ”حسن”، لكنه لا يزال يحافظ على السروال الملون كنوع من التشبت بالأمل و بالحياة.

إن عرض ”عنكبوت السيرك” حضر إلينا كتأكيد على روح المسرح و المسرحيين التي لا يمكن أن تفنيها فانية أو تقتلها قاتلة، و جاء مبدعوا العمل، ليتكلّموا بلسان كل الذين عانوا في صمت وراء الأبواب المغلقة و النوافذ الموصدة و الجدران التي لا تصدر إلا صدى أنين المبدعين، أنهم كالأسطورة باقون و من رمادهم ينبعثون، و هنا أستحضر قول أحد المسرحيين في بقاء المسرح و عدم زواله، يقول : “نحن كبشر زائلون و يبقى المسرح ما بقيت الحياة.”

 

 

 

 

 

 

Loading...