كتاب الرأي : الحرب العالمية على الأرض الأوكرانية

المغربية المستقلة  :  أيوب نصر / كاتب مغربي، باحث في العقائد، والمدارس الفكرية، والاستشراق.

من الأقوال التي أومن بها، وأجعلها أمام عيني، كلما أقبلت على دراسة حدث أو تحليل مستجد، قولهم: “إن التاريخ يعيد نفسه”، وذلك أن النظام الكوني دائري الشكل، فلا تنطلق من نقطة إلا لتصل إليها، أو تمر عليها، بما في ذلك الحياة البشرية، فهي تبدأ من ضعف، ثم يدور العمر دورته الزمنية، لتنتهي إلى ضعف، ولهذا فكل ما يمر بنا من أحداث، وما ينزل بنا من مستجدات، إلا وله شبيه في الأيام الغابرة.
إن الناظر المتأمل، في أحداث التاريخ المعاصر، وما جرى بالأمس القريب، يلاحظ أن الحرب العالمية الثانية، لم يستفد منها إلا اثنين، وهما الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي، وذلك أنهما كانتا بعيدتان عن أرض المعركة وساحات القتال، فلم تشهدا القتل والدمار، وأن أكثر الدول خسارة هي الدول الأوربية، بما فيها دول الحلفاء والتي انتصرت، فقد أصبحت بعد الحرب، لا قيمة لها، وكلها تابعة، إما للولايات المتحدة الأمريكية أو للإتحاد السوفياتي، فالشي الوحيد الذي خرجت به تلكم الدول الأوروبية من تلك الحرب العالمية، أنها دمرت وأهدمت، وشرد أبنائها وقتل رجالها.
و بقياس أحداث اليوم الجديد، على ما كان بالأمس القريب، نجد أن ما يحدث في الآن من الحرب الروسية الأوكرانية، هو نفسه ما كان بالحرب العالمية الثانية، إلا أن تلك كانت ساحتها أوربة كلها، وهذه اختزل ملعبها في أوكرانيا، وهذا ما يفسر إغراق أوكرانيا بالأسلحة الغربية، كما لا يستبعد أن الغرب يقاتل بجيشه تحت غطاء المتطوعين والمرتزقة.
ما نراه الآن، إنما هو حرب عالمية تتكرر فصولها، وتعاد أحداثها، لكن على مساحة ضيقة، ولهذا نرى الخوف ظاهر على الدول الأوربية، خشية أن تتسع رقعة القتال لتشمل أوروبة كلها مرة أخرى، فالفرق بين الحرب السابقة، وهذه الحرب، هو فقط في الصغر الساحة المخصصة لها.
إن هذه الحرب، الجارية أطوارها الآن، إنما هي حرب عالمية ثالثة، تقام على الأراضي الأوكرانية، بين عالم يريد الحفاظ على هيمنته وبسط نفوذه، وعالم آخر استيقظ من سباته، وأفاق من سنته، وانتفض من سكينته، يريد أن ينفلت من سطوة النظام القائم، وخلق نظام جديد ينافس الأول، ويزاحمه في الساحة الدولية.
هذا، وأحب أن أنبه إلى أمر، فمهما كانت النتائج، فإن روسيا الإتحادية لن تعتبر منهزمة، على الأقل، وذلك أنه سيعمل حسابها في المستقبل، ولن يتم تجاهلها أو إهمال مواقفها، وهذا أدنى أهداف هذه الحرب.

Loading...