الشجرة و العاصفة” لعب على الدماء البيضاء…. قراءة في “رواية الشجرة و العاصفة” لصاحبها مراد المساري

المغربية المستقلة : حمزة الصمدي طالب باحث

لست من القراء الذين يرضخون للعناوين و يقدمون لأصحابها الولاء، و تنطلي عليهم سطوة الإغواء و يغلب على شهوتهم طعم التفاح السماوي، لكني من الصنف الذي تستهويه الأسطر و كثافتها و يؤخذ أخذا بالمعنى و معنى المعنى، و يسحر بالسواد الذي يغتال بياض الأوراق و يدغدغ خلايا العقل و يزعزع مسلمات الفرد و يبني صروحا لا يقدر على هدمها سوى سواد آخر. هذا ما حصل لي أول ما أهداني أحد أصدقائي المدمنين على الكتب رواية ” الشجرة و العاصفة ” للروائي الشاب مراد المساري، و أضاف لزيادة إغوائي أن كاتبها ابن مدينتك بل ابن حيك، ابتسمت، و تفحصت الكتاب، رمقته بنظرة تحدي، و أقفلت بقهقهة دائما ما أعاب بها : ” سأرد عليك بعد انتهائي من قرائته.. ” و اليوم يا صديقي، لا أظنك كنت تنتظر مثل هذا الرد.

يطالعك عنوان الرواية بارزا بخط عريض ” الشجرة و العاصفة” يأخذك لتخمن دلالة هتين الكلمتين في اجتماعهما و تفرقتهما، فتكتشف بعد حرق سعرات عديدة لتشتغل خلايا مخك النائمة، أن الأصل في ” الشجرة” هو الثبات و الصمود و الانغراس و أن “العاصفة” تمثلٌ للطبيعة و هي صوت من أصوات الخيال الجارف الذي يتحدى ثبات ” الشجرة” – الأصل- إذا تجد نفسك أمام حقلين متنافرين تنافرا يجعل من العلاقة صراعا ممتدا لا نهاية له، صراع الأصل و الحقيقة ضد الوهم و الخيال، حتما سيَرْميك هذا إلى التهام صفحات الكتاب بحثا عن نتيجة هذا ” الصراع” و ستسابق الصفحات بحثا عن الحقيقة التي يدفنها ضباب الوهم لتطالع أن كاتبنا يحكي و بكل أساليب و آليات السرد المتقنة و المقننة حياة مدرس شاب يدعي فيصل يعيش في شقة بحي بوركون بالدار البيضاء، في البدء تحس بالهدوء يغشى على أول القصة كأنك تمشي حافيا على رمل دافئ يدغدغ أخمص قدميك و ما هي إلا بضع صفحات حتى تفزعك برودة ماء الشط نافرة عليك دفء الرمل و هدوء الجو؛ يتعرف فيصل في ملابسات غير عادية على سارة فتاة يهودية، طالبة بالمعهد الموسيقي، يكتشف فيما يأتي شراكة صديقه منصور صداقة سارة تتوالى الصفحات ليكتشف بعدما وقعت بيده رسالة من منصور موجهة لسارة يبين من فحواها مشاعره تجاهها، أن صديقه يشاركه أيضا شغفه و – شبه حبه – لسارة، يزامن هذا مشاكل و اضطرابات في عمل فيصل يعرض على أثرها على المجلس التأديبي الذي يقرر متابعة منصور لعلاج عند طبيب نفسي تابع للوزارة.

 

قلب الصفحات يا صديقي لتكتشف أن الدغينة نحو صديقه منصور تزداد بزيادة ازدراءه له و التنقيص منه و إحراجه، خاصة في حضرة سارة، سيسفر كل هذا بعد تفاعله مع الغيرة و الإحساس بأن منصور يخطف منه سارة، كما يخطف منه أشياءه العديدة، و بها يخطف منه أمله في العيش و في أن يحيا على طيف سارة و ذكراها الجميلة، إلى غرسه مدية كبيرة في جوف منصور ليرديه صريع أنفاسه يسبح في بركة دم، و بعد حملة هوجاء من التفكير و الصراع و الالتطام، لفظ مخه، حلان لا ثالث لهما؛ ” الشرطة ” أو ” حبل من متر و نصف المتر ” يستقر قراره أخيرا على مخفر الشرطة الأقرب لحي بوركون. لا تَكّل يا صديقي، قلب بعض الصفحات لتجرفك موجة بطول ستة أمتار بعدما كنت قد استأنست ببرودة مياه الشط، تجد نفسك في عمق اليم، ستكتشف أن كل ما قرأته كان من وحي خيال نزيل مصحة نفسية، و أن الحياة المضطربة للمدرس فيصل لم تكن إلا حبرا خط على أوراق مريض بالفصام و الزهايمر و الصرع، و أن الحياة التي ترفض الآن تكذيبها و تتشبت بها تشبت الغريق بطوق نجاته، هي عمل تخييلي لم يحدث سوى في عقل عليل لنزيل بمحصة نفسية، استند على ما يقرأ و تأثر به أشد تأثر و حاكه على مقاس الواقع، جعلنا نخوض معه لعبة الوهم و الإختباء وراء الظلال.
كل هذا يطرح بأسلوب يأخذ الألباب و بلغة شاعرية هائمة تلتصق بالمعنى التصاق العطر بالثياب فتأبى أن تتركه حتى تترك الأثر الطيب و الدهشة العارمة في النفوس، تأخذك التشبيهات و الاستعارات و يأسرك حسن توظيف الإنشاء و مزاوجته بالخبر، تُخْبَر يا عزيزي و تُمَتعُ فتصيب الهدفين معا – حَبّا و قُشا -، فأما السرد فكان تصاعديا تارة حينما يسرد يوميات فيصل و تارة أخرى يكون انكساريا، و استرجاعيا عندما يعود لذكرى جدته و والده، و دار الأيتام، و الوصف كان وصفا تفصيليا دقيقا يجعلك و أنت تطالع الصفحات و الأسطر كأنك تشاهد شريطا مصورا بالغ الإتقان و الحرفة، أما الحوار فكان حاضرا بنوعيه داخلي و خارجي يعبر عن صدق المحكي و يزيد من حضور المشاعر على الأحداث، دون أن نغفل يا صديقي حضور العمق الفلسفي و مقارعة الأفكار بالحجج خاصة، في حوارات فيصل مع منصور و مع العجوز عازف الكمان.
هذا العمق يجعلك تغير موقفك تجاه الأشياء و يجعلك تتواطئ مع فيصل في لعبته ضمنيا، مصدقا كل هذا الخيال المفتعل، فتصيبك عدوى الفصام، و يلتهمك الشك في أن يكون فيصل قد سقط أثر دوار أو حمى و كل هذا محض حلم خلال نوم عميق. يجعلك مراد أيضا تعتقد أن حياة واحدة لا تكفي و يدفعك نحو افتعال حياة جديدة أو حيوات… و لو على هامش الخيال بمكونات غير مرئية و لا ملموسة تأخذك إلى اللامكان حيث تعيش زمانك بكل حرية، تفتعل شخوصك و واقعك و تعدل خصالك و خاصياتك و صفاتك، فلك الاختيار إذا في جعل عالمك الجديد عالما طوباويا لا وجود للطالح فيه أو أن تجعل عالمك شيطانيا لا مكان للصالح فيه. يمنحك مراد حق قلب الموازين في أي مرحلة تشاء، منتظرا، انهيار العمارات، و النوتة الأخيرة للعجوز عازف الكمان، لكن ما ستنتظره بحرقة هو ذلك الهدوء الذي يلي الإنهيار؛ انقطاع صوت الكمان، و ارتطام آخر حجارة من المباني، حتما لن تظفر بهذا الهدوء لأنه وقتها سيستيقظ “فيصل” من نومه لينهي الحلم و ينهي وجود الشقوق و التصدعات، و ليتوجه إلى حجرة الدرس ليبدأ يوما جديدا بكل طبيعية و تلقائية، تاركا الوهم و الخيال و الأطياف و الأشباح لك يا صديقي…
في النهاية لقد استطاع مراد تغيير موقفي تجاه العناوين، فكانت عاصفته هي التي ضربت بأشجاري و أردتها كأعجاز خاوية، ليعيد لم شتاتها في تربة فكرة أخرى… أقول شكرا مراد… شكرا لصديقي الذي كان ينتظر ردا.. أقول هذا ردك.

Loading...