مداخلة السيدة المستشارة خديجة الزومي في الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة المخصصة لموضوع : تدابير استقبال ومواكبة الجالية المغربية بالخارج
المغربية المستقلة :
السيد الرئيس:
السيد رئيس الحكومة
السيدات والسادة الوزراء
أخواتي إخواني المستشارين
يسعدني أن اتدخل باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، للتفاعل والتعقيب على جوابكم السيد رئيس الحكومة المحترم، ولعرض وجهة نظر الفريق ومن خلاله حزب الاستقلال والاتحاد العام للشغالين، في موضوع السياسة العامة المتعلقة بتدابير استقبال ومواكبة الجالية المغربية بالخارج في ظل الاكراهات الناتجة عن وباء كوفيد.
ولا بد، أن نعبر بداية، عن تقديرنا للتضحيات الجسام لمغاربة العالم في بناء وتنمية الوطن وتسويق صورته دوليا والدفاع عن القضايا العادلة، وعن اعتزازنا بالمكانة السامقة والرائدة التي يتبوؤنها في بلدان الإقامة.
السيد الرئيس
إن مغاربة العالم يضطلعون بأدوار مركزية كبرى على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تسائلكم اليوم، عن ما قدمته حكومتكم طيلة السنوات العشر الماضية، وما أعدته من تدابير لاستقبالهم ومواكبتهم خلال فترة مقامهم.
إن هذا التساؤل يظل هاجسنا السنوي، ويزداد إلحاحا، بعد أن حرمتهم الجائحة من زيارة وطنهم وصلة الرحم بعائلتهم لمدة تقارب السنتين، وبعد أن أقدمت بلادنا على تدبير عملية مرحبا لهذه السنة بقرارات على درجة كبيرة من الأهمية، لعل في مقدمتها استثناء إسبانيا من موسم العبور لسنة 2021.
واسمحوا لي في هذا الصدد، أن أؤكد لكم أن موقفنا بهذا الخصوص، واضح ولا يحتاج إلى تأكيد، في ظل المناورات العدائية غير المتوقعة من اسبانيا، والمتنافية مع روح الشراكة وحسن الجوار، والتي تهم قضايا وحدتنا الوطنية، والمصالح الاستراتيجية للوطن.
إن ما وقع، لهو مناسبة لنذكر، من يحتاج إلى تذكير، أن الحفاظ على التعاون الثناني والشراكة الثنائية هي مسؤولية مشتركة، يقويها الالتزام الدائم بتعزيز الثقة المتبادلة وصيانتها، واستمرار التعاون المثمر وحماية المصالح الاستراتيجية للبلدين، وأما من يظن أن المغرب مجرد دركي لحماية حدود الآخرين، فظنه خاطئ …. وليتملكه اليقين أن المغرب القوي والمتماسك بملكه وشعبه ومؤسساته الديمقراطية والسيادية، عصي على كل الخصوم، أيا كان عددهم ومهما كانت مواقعهم.
السيد الرئيس،
ولكم كانت تخوفنا من تقاعس الحكومة إزاء جشع شركات النقل الجوي والبحري، خلال هذه الفترة الصعبة الموسومة بالتداعيات الخطيرة للجائحة، لكن من ألطاف الله بهذا البلد.. تواجد رئيس دولة وملك مواطن، ما فتئ يولي عنايته الكريمة لأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ولكل قضايا الوطن … كان آخرها تعليماته السامية للسلطات المعنية وكافة المتدخلين والفاعلين في مجال النقل، الجوي والبحري، بالحرص على اعتماد أسعار معقولة في متناول الجميع.
وبهذه المناسبة ننوه عاليا باسم الفريق الاستقلالي، بالالتفاتة المولوية السامية لتدبير عملية مرحبا لهذه السنة، التي أثلجت صدورنا ورسمت ملامح الفرحة على محيى أبنائنا في المهجر، والعمل الجبار الذي تضطلع به مؤسسة محمد الخامس في تنظيم عملية مرحبا، وجعلتنا من جديد نموذجا استثنائيا يتحدى به ويلتف من حوله، في تعزيز الروابط القوية بين مغاربة العالم ووطنهم الأم.
وفي هذا الصدد السيد رئيس الحكومة، من الضروري أن ننبهكم إلى خطر المضاربات في أسعار التذاكر من قبل بعض وكالات الأسفار..
في هذا السياق، أطرح استفسار مفعما بحصرة كبيرة، …
بالله عليكم، ألا يستحق بلدنا العزيز الذي تمتد سواحله على طول أزيد من 3500 كلم، أن يلفت إنتباه هذه الحكومة إلى حاتنا على ناقل وطني في قطاع النقل البحري، بعد تصفية شركة “كومناف”؟
لن أطيل في الموضوع، الذي هو لوحده يستحق جلسة شهرية.
السيد رئيس الحكومة المحترم
إن موضوع جلسة المساءلة اليوم، ليس موضوعا للترف الفكري أو المزايدات، وإنما يتسدعي مناقشة دقيقة لرهاناته وأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية الاستراتيجية الكبرى، حيث تكشف الأرقام المتوفرة برسم حصيلة سنة 2020 عن معطيات مثيرة للإهتمام ومنها، أن عدد مغاربة العالم يزيد عن خمسة ملايين نسمة، موزعين على أزيد من 100 دولة؛
§ إنهم يشكلون اليوم مكونا مهما من الرأسمال اللامادي بكل مميزاته وعناصره الثقافية والدينية والهوياتية؛
§ إنهم أحد أهم عوامل تحقيق التضامن والتماسك الاجتماعي، فأسر كثيرة تعيش من تحويل أفراد عائلاتها بالخارج؛
§ إنهم يشكلون أيضا خزانا للأطر والكفاءات المشهود لها بالتميز والحنكة.
(… أفراد الجالية يتولون مسؤوليات كبرى …)
§ هم أيضا أحد العناصر المهمة للرأسمال المادي بالنظر لمساهماتهم في تمويل الاقتصاد المغربي.. فأول سائح في المغرب هم مغاربة العالم الذين يمثلون ثلث الحجوزات في الفنادق المصنفة..
§ كما أن الناتج الداخلي الخام للجالية المغربية المقيمة في الخارج يناهز 208 مليارات دولار سنويا باعتماد متوسط الدخل في بلدان الإقامة،
§ إنهم من أكبر المساهمين في تأمين إحتياطات البلاد من العملة الصعبة والتي بلغت ما مجموعه 68 مليار درهم سنة 2020، أي ما يناهز 7% من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يمكن من تغطية ما يناهز 50% من العجز التجاري.
ولئن كانت هذه الأرقام تعكس الوزن الاقتصادي المهم لمساهمات مغاربة العالم، غير أنها بالمقابل تكشف عن بنية تقليدية لهذه المساهمات، تهيمن فيها الاستثمارات العقارية بحوالي 41 %، فيما لا تتجاوز حصة المشاريع المنتجة سوى 14 % من مجموع هذه الاستثمارات.
والمسؤولية عن هذا الوضع، تتحملها حكومتكم، التي فشلت في خلق آليات للتوظيف الجماعي الخاصة بمغاربة العالم وغيرها من الآليات الكفيلة بتوجيه هذه الموارد لتنشيط الاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل، واستكانت إلى الحلول السهلة في تدبير تحويلات مغاربة العالم…
والأدهى من ذلك، تسجيلنا في الفريق لتراجعات ولتخبط كبير على مستوى التدبير الوزاري لقضايا الجالية …
· عدم الاستعانة بقضاة متخصيين كما كان الأمر في حكومة ذ عباس الفاسي…؛
· عدم الاستعانة بخبراء متخصصين في حل الشكايات التي تطرح على مستوى الوزارة…)؛
· قرارات يطبعها التخبط وغياب الوضوح، وتحتاج إلى شرحها وتفسيرها للمغاربة خصوصا ما يرتبط بقوائم الدول التي تعرف انتشارا للسلالة المتحورة أو غياب إحصائيات دقيقة عن الوضعية الوبائية والتي خلفت تحتجاج للجالية المغربية خصوصا منها المقيمة في بلدان الخليج العربي التي يفرض عليها الحجر الصحي في فنادق على نفقتها خلال وصولها إلى المغرب،
السيد الرئيس
كنا نأمل من الحكومة أن تقدم ما يفيد، بانخراطها الشامل في التنزيل الأمثل لالتزاماتها وتعهداتها المصادق عليها في البرنامج الحكومي… لكننا اليوم وبعد الاستماع بإمعان لجوابكم، نجزم بالقول، بأن الحصيلة الحكومية يعيدة كل البعد عن البرنامج الحكومي، وعن انتظارات وتطلعات مغاربة العالم، وعن السياسة العمومية المندمجة والتي من المفروض أن يحكمها التكامل والالتقائية والتنسيق بين جميع المتدخلين.
أيننا اليوم من تفعيل المقتضيات الدستورية القاضية بإشراك مغاربة العالم في المؤسسات الوطنية؟
ما مصير التزامكم بالإسراع بإخراج القانون المنظم لمجلس الجالية المغربية بالخارج؟
أين نحن اليوم، من استكمال ورش الإصلاح القنصلي، ومسلسل تحديث وتجويد الخدمات القنصلية والاجتماعية لفائدة أفراد الجالية المغربية بالخارج؟
وهلا أخبرتمونا عن حصيلتكم في الاهتمام بإشكاليات السجناء المغاربة في السجون الأوروبية، وضحايا الجرائم العنصرية والتي راح ضحيتها العديد من أبناء وطننا رحمهم الله، آخرها الجريمة الشنعاء بإقليم مورسيا الاسباني؟
السيد رئيس الحكومة
إن الواقع لا يرتفع، ولا يزيدنا إلا اقتناعا، بقصور المنظور الحكومي وضعف اختياراته على إيجاد حلول للمشاكل والمعضلات التي تواجه مغاربة العالم …. والتي تدفع العديد منهم إلى تحويل مقامهم القصير إلى جولات مكوكية، بالانتقال بين جحيم دواليب الادارات والمؤسسات، من إدارات الضرائب، والمحاكم…
مقتضب القول، أن قضايا الجالية في منظور الحكومة هي مجرد أرقام مالية وعددية: عدد المهاجرين، مجموع عدد التحويلات المالية؟ معدل الاستثمار؟ وهلم جرا…
والحقيقة أنها وعلى خلاف ما تعتقدون… فمغاربة العالم هم امتداد ومصدر قوة وفخر للوطن، وجب عليكم إيلاءهم الاهتمام اللازم، نهجا على العناية السامية التي يوليها جلالة الملك لمغاربة العالم.
لكن واقع حصيلتكم يكشف أن مواطنة “الدياسبورا” المغربية تبقى موقوفة التنفيذ، ومع الأسف عرضة للمزايدات الحكومية، ومنها موضوع المشاركة السياسية للمغاربة المقيمين في الخارج التي كنا نرتقب أن تأخذ حيزا مهما في النقاش السياسي وفي العمل التشريعي في نهاية الولاية التشريعية الحالية 2016-2021، سواء كمشاريع قوانين أو مقترحات قوانين.
إن أزمة الحقوق السياسية تصلح عنوانا ملازما للجالية المغربية في الخارج، وهي حقوق ظلت في دائرة العدم بسبب غياب الإرادة السياسية للحكومة، والتي جعلت هذا الحق معلقا إلى إشعار آخر، على خلاف ما هو منصوص عليه في الفصل 17 من دستور المملكة سنة 2011 الذي يقضي بأن: “يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح …”.
وإذا كان لكم موقف آخر، مما نحن بصدد بيانه، فمن الذي منع الحكومة سنة 2015 من قبول مقترح قانون حزب الاستقلال الذي جاء شاملا ومفصلا ومنصفاً للجالية المغربية في الخارج، لضمان مشاركتها الفعلية في الانتخابات.
أم أنكم أوفياء للتلاعب بالكلمات وتكريس الانتظارية، وإهدار الفرصة، ليس للجالية المغربية، و لتعزيز المسلسل الديموقراطي في بلادنا.
السيد رئيس الحكومة
يبدو أنكم غير مباليين بما يقع، وأنتم تحدثونا عن إنجازات وانجازات، وتدابير وتدابير… وكان يجدر بكم وأنتم تقدمون جوابكم، أن تتملكوا فضيلة النقد الذاتي، لتقروا بعجزكم عن الوفاء بالتزاماتكم، وعن الاستجابة لتطلعات مغاربة العالم ومنحهم حق المواطنة الكاملة. وأن تلتزموا بالمقابل بتوجيه عملكم لما تبقى من الولاية، إلى تجاوز المنظور القطاعي في التعاطي مع قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج باعتبار أن الموضوع هو أفقي بامتياز، والانصات إلى همومهم، ومساعدتهم على حل المشاكل والعقبات التي يكابدونها بسبب ضغط الأزمة الاقتصادية والمالة…
السيد رئيس الحكومة
ختاما أؤكد لكم السيد رئيس الحكومة أن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية وهو يقدم لكم ملاحظاته، انطلاقا من موقعه في المعارضة الوطنية الاستقلالية، يأمل أن تنكبوا على إنجاح عملية العبور والإقامة، لأننا في حاجة إلى تقوية جسور الثقة مغاربة العالم، بما يعزز مشاركتهم الفعلية في إنجاح النموذج التنموي المرتقب، والذي أكد تقريره الختامي على ” ضرورة مواصلة المجهودات الرامية إلى تعزيز وتقوية الروابط الثقافية واللامادية مع مغاربة العالم باعتبارهم مكون أساسي ومهم من الشعب المغربي”.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
