المغربية المستقلة: بقلم محمد صبري
نشأت الحاجة إلى البحث العلمي و خصوصاً في علم الاجتماع، الذي ينظر إليه على أنه احد الحقول المعرفية المهمة التي يمكن أن تعالج اعطاب المجتمع، أنه دائما ما يحلل الظواهر الاجتماعية و يعالجها انطلاقاً من ربطها بمحددات قد لا تكون اجتماعية بالأساس تساعده في الفهم اكثر، ويأتي علم اجتماع البيئة كأحد الفروع المعرفية داخل علم الاجتماع العام، الذي ظهر و ارتباطا بطبيعة التغيرات التكنولوجيا و الاجتماعية و المشكلات البيئية الملحة في عالم اليوم، و بضرورة إقرار علاقة متوازنة بين الإنسان و البيئة، و رغم أن هذا الميدان قد يبدو جديداً على البحث الاجتماعي الا ان علم الاجتماع يتضمن منذ نشأته المحددات البيئية للسلوك، فقد بحث ابن خلدون في أهمية العلاقة بين التنظيم الاجتماعي و أشكاله من جهة و ظروف المعيشة من جهة أخرى، فالبيئة الجغرافية وما تشمله من مساحة و موارد و مناخ تؤثر في تشكيل البناء الاجتماعي الثقافي للمجتمع.
و من خلال قراءات متواضعة للاتجهات التي عالجت المشكلات البيئية داخل علم الاجتماع دون التدقيق في التفاصيل لغير المتخصص، نرى أنها تتوزع إلى ثلاث أنماط كلاسيكيه:
النمط المحافظ : هو امتداد لفكر (اميل دوركهايم) وينطلق من اعتبار أن تغير القيم الاجتماعية هو العامل الأساسي في توجيه المجتمعات إلى الانحدار البيئي، و بدوره ينقسم الردة اتجاهين من يرى أن ظهور المشاكيل البيئية ناتج من تغير نسق القيم و ظهور قيم جديدة كالفردانية و العالميه و الإنتاجية في المجتمعات الصناعية و أن الرخاء و الوفرة تعتبر قيما إيجابية وظيفية مقبولة ترتبط بالنمو الاقتصادي، مما أدى إلى إغفال النتائج التي سيسفر عنها هذا النمو و جعل السيطرة عليه أمرا صعبا، الاتجاه التاني يرى أن سبب الثلوث البيئي هو مخلفات التكنولوجيا و التصنيع و ذلك بألقاء فضلاتها التي ثلوث الماء و الهواء و بالتالي هذه الاتجاه لا يرى ركز على طبعة المجتمع الصناعية و لا يقدم حلولاً بيئية من شأنها من شأنها أن ثؤثر على القاعدة الصناعية للمجتمعات الغربية، نجد أن تحليل المحافظين انطلق من الجوانب الثقافية للمجتمعات فقد قدموا تفسيرات لظواهر اجتماعية معينة مثل تكيف الناس مع الثلوث و السلوك و الاتجاهات إلا أنهم لم يقبلو حلول مقابل التضحية بالنمو الاقتصادي
النمط الليبرالي: يركز على الاتجاه المستمد من فكر (ماكس فيبر) على القوة و الهيمنة لتوضيح المشاكل البيئية و هناك و جهتا نظر اساسيتان في هذا الاتجاه:
الاولى : يرون أن الحكومة و النسق القانوني تهيمن عليه جماعات ليس لديها إهتمام بالبيئة و ليس لها من مجالات نفوذها. و يركزون على الشركات و المؤسسات التجارية و الصناعية الضخمة حيث تنظر هذه الشركات إلى البيئة على أنها وسيلة لزيادة ارباحها و توسعها.
الثانيه: يرون أن المستفيدين من الانحدار و الاستنزاف البيئي يستخدمون وسائل الاقناع الجمعي (الاعلام) في إعطاء صفة الشرعية لأهدافهم و أعمالهم كما يقومون بإقناع الناس بواسطه الإعلام بزيادة الاستهلاك و بأن الاقتصاد الدائم النمو و سيلة لرفع مستوى المعيشة .
و هكذا فإن استغلال الرموز الثقافية لإعطاء صفة الشرعية للتنظيمات الاقتصادية في المجتمع يؤدي إلى تطور المشكلات البيئية و تفاقمها ، و يكمن الحل الوحيد بوجوب تضافر جهود المهتمين بالبيئة بإزاحة القوة السياسية و الهيمنة التي تمتلكها الشركات.
النمط الراديكالي : يقدم النمط الراديكالي المستمد من فكر (كارل ماركس) تحليلا لأسباب استنزاف البيئة فيرى هذا الاتجاه أن المشاكل البيئية ظهرت نتيجه اللاعقلانية المتوارثة في نماذج الإنتاج الرأسمالي وان من المتعارف عليه أن التوسع الاقتصادي هو القناة التي حلت من خلالها المجتمعات الرأسمالية أزماتها مثل فترة الركود الاقتصادي الكبير و من هنا يصبح النمو الاقتصادي ضرورياً و مهما جدا لزيادة الأجور و تحسين أوضاع العمال و هذا يسمح بالتالي للطبقة الرأسمالية و حلفائها بالمحافظة على أرباحها و ممتلكاتها عن طريق شراء القوى العاملة .
و بنا أن النظام الرأسمالي يركز على الملكية الفردية و ليس المجتمعية فإن الاستهلاك يوجه نحو العائلة النووية كامتلاك أكثر من سيارة للعائلة الوحدة يفرض هذا النمط الاستهلاكي الخاص استنزاف المصادر الطبيعية و عدم المحافظة على توفير مستوى معين من الموارد و الاستهلاك و بالتالي مزيداً من الانحدار البيئي
ومن هنا تبين أن المنظرين الراديكاليين يرون أن النظام الرأسمالي توسعي و في الفترة التي لا يتسع فيها تصيبه حالة من الركود و بما أنه نظام مسرف فإنه يؤدي إلى نتيجة واحدة هي الاستعمال المنهك لمصادر البيئة الطبيعية
الخلاصة أنه مهما تعددت الآراء في علم الاجتماع البيئي إلا أن هناك حقيقة مؤكدة هي ضرورة فهم ودراسة المجتمعات الإنسانية ضمن إطار النسق البيئي العام و أن دراسة القضايا البيئية توجب الاهتمام بالجانب الاجتماعي و البيئ معا ضمن نسق العلاقات هو المجال البيئي، من الصعب تبني نموذج واحد عند دراسة البيئة بسبب اتساع مفهوم البيئة ذاته و تعدد المشكلات المصاحبة لاستخدامها و ضرورة الإعتماد على أكثر من نموذج في تناول قضايا البيئة
