عندما تتحول الصداقة إلى فخ… ناقوس خطر حول التشهير والابتزاز الإلكتروني في أوساط الفنانين والإعلاميين وشخصيات من المجتمع المدني

المغربية المستقلة :  فاطمة الزهراء إيروهالن

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ظهرت ممارسات خطيرة تستغل الثقة الإنسانية وتحول الصداقة إلى وسيلة للاختراق والاستهداف. إنها ظاهرة تستدعي دق ناقوس الخطر، خاصة بعدما أصبحت تطال فنانين وإعلاميين وفاعلين جمعويين وشخصيات من المجتمع المدني.
تبدأ الحكاية في الغالب بشكل عادي جداً. طلب صداقة، رسالة ودية، تعاطف مع مشكلة معينة، أو دفاع مستميت عن شخص في مواجهة الانتقادات. يعتقد الضحية أنه أمام شخص صادق النية، يسعى فقط إلى بناء علاقة إنسانية أو مهنية قائمة على الاحترام والثقة. لكن مع مرور الوقت، تتضح حقيقة أخرى أكثر خطورة.
بحسب شهادات متطابقة، يعتمد بعض الأشخاص على التقرب من ضحاياهم بشكل تدريجي، فيحاولون معرفة تفاصيل حياتهم الخاصة والمهنية والعائلية، ويبحثون في ماضيهم وعلاقاتهم الاجتماعية وكل ما يمكن أن يوفر لهم معلومات إضافية. ويتم ذلك تحت غطاء الصداقة أو الدعم أو التضامن.
ومن المفارقات التي تثير الكثير من التساؤلات أن بعض هؤلاء الأشخاص يحرصون على الظهور أمام الرأي العام في صورة المدافعين عن القيم والأخلاق ومحاربة الفساد. وقد يرفعون شعارات تستقطب تعاطف المتابعين وتمنحهم مصداقية أكبر لدى فئات واسعة من الجمهور. غير أن الشعارات وحدها لا تكفي للحكم على الأشخاص، فالمعيار الحقيقي يبقى في احترام القانون وكرامة الأفراد وحقهم في الخصوصية. فمحاربة الفساد لا يمكن أن تكون مبرراً للتشهير، والدفاع عن الأخلاق لا ينسجم مع انتهاك الحياة الخاصة أو استغلال الثقة التي يمنحها الناس للآخرين.
ومع ترسخ الثقة، تبدأ مرحلة أكثر حساسية، حيث يجد بعض الضحايا أنفسهم يتحدثون بعفوية في مكالمات أو محادثات خاصة ظناً منهم أنهم يتحدثون مع أشخاص موثوقين. غير أن المفاجأة تكون عندما تتحول تلك الأحاديث الخاصة إلى مادة للتشهير أو وسيلة للضغط والابتزاز.
الأخطر من ذلك أن بعض الشهادات تتحدث عن نشر تسجيلات أو مقتطفات من محادثات خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، في انتهاك واضح لخصوصية الأشخاص وكرامتهم. ولا يقتصر الأمر على عرض الوقائع كما هي، بل يتم أحياناً تحريفها أو إخراجها من سياقها أو إضافة ادعاءات ومعطيات غير صحيحة، بما يؤدي إلى تضليل الرأي العام والإساءة إلى سمعة الضحايا.
كما تلجأ بعض الجهات إلى الترويج لمعلومات تتعلق بقناعات الأشخاص أو توجهاتهم الفكرية أو الدينية، سواء كانت صحيحة أو مفترضة، بهدف إثارة الجدل حولهم وتشويه صورتهم أمام الرأي العام. وفي كثير من الحالات، تتحول هذه الادعاءات إلى وسيلة للضغط النفسي والتحريض والتنمر الرقمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفنانين أو إعلاميين أو شخصيات عامة تكون سمعتهم جزءاً أساسياً من مسارهم المهني.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في انتهاك الحياة الخاصة، بل في آثارها النفسية والاجتماعية العميقة. فقد تسببت حملات التشهير الإلكترونية في تدمير علاقات أسرية، وإلحاق أضرار مهنية، وإدخال ضحايا في أزمات نفسية حادة. كما أن الخوف من الفضيحة أو من نشر المزيد من التسجيلات يجعل العديد من الضحايا يختارون الصمت بدل اللجوء إلى الجهات المختصة.
ورغم وجود شكايات ومعطيات يتداولها عدد من المتضررين، فإن الطريق نحو كشف الحقيقة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الجرأة والتعاون والتبليغ. فالتصدي لهذه الظواهر مسؤولية جماعية، تبدأ بالوعي بخطورة ما يحدث، ولا تنتهي إلا بتطبيق القانون وحماية حقوق الأفراد وكرامتهم.
إن حرية التعبير حق مشروع، لكنها لا تمنح لأي شخص الحق في التشهير بالآخرين أو انتهاك خصوصياتهم أو استغلال الثقة التي منحوها له. وبين حرية التعبير والجريمة الإلكترونية حدود واضحة يجب احترامها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم من شخص وقع ضحية لهذا النوع من الممارسات واختار الصمت خوفاً من أن يكون التشهير القادم أكثر قسوة؟
إنها دعوة صريحة لدق ناقوس الخطر، قبل أن تتحول شاشات الهواتف إلى محاكم افتراضية، وقبل أن تصبح الثقة التي نبنيها مع الآخرين باباً يُفتح على الابتزاز والتشهير وانتهاك الكرامة الإنسانية.هذه النسخة تبدو أكثر تماسكاً، لأن فكرة “الظهور كمدافعين عن الأخلاق ومحاربة الفساد” جاءت في سياق الحديث عن كسب الثقة قبل الانتقال إلى مرحلة الاستغلال والتشهير.

Loading...