المغربية المستقلة:
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة و إحدى وعشرون
*كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم..*
لما تم البناء الإيماني بالمسجد والأخلاقي بالحب والتآخي كان لا بد من ضمان حقوق المجتمع وتنظيم أفراده وعلاقاتهم فكانت الوثيقة الخالدة..
وقد ذكر ابن إسحاق رحمه الله الكتابَ الّذي كتبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم..
ومن تلك البنود الّتي قام عليها الميثاق بين النبيّ صلّى الله عليه وسلّموبين اليهود:
1- المسلمون من قريش ويثرب ومن تبِعَهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أمّةٌ واحدة من دون النّاس.
أي: إنّ الإسلام هو وحده الّذي يجمع بين النّاس، وجميع الفوارق تذوب في هذه الوحدة الشّاملة.
2- المسلمون على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، ويَفدون عانِيَهم بالمعروف. [يتعاقلون: أي يدفعون الدّية بعضهم عن بعض، والعانِي هو الأسير].
3- أنّ الجار كالنّفس غير مضارّ ولا آثم.
وهذان البندان يدلاّن على أنّ أهمّ سمات المجتمع المسلم هو التّكافل والتّضامن، فهم جميعا مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم،
حتّى قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) رواه الشّيخان
وقال: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ -)) رواه الشيخان
وهذا شيء لم يعهدوه من قبل في مجتمع الغاب، يأكل فيه القويّ الضّعيف..
4- لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا يُنصَر كافرٌ على مؤمن.
5- المدينة حرم: من أحدث فيها، أو آوى محدِثاً، فعليه لعنة الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدلٌ.
فلم تعُد حرمتُها بحكم القبيلة والعشيرة، ولكن عادت لها حرمة شرعيّة.
6- لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، إلاّ من ظلم وأثم؛ فإنّه لا يُوثِغ إلاّ على نفسه وأهل بيته. [يوثغ: يهلك].
وهنا تمّت المصالحة بين المسلمين واليهود على ألاّ يقتل بعضهم بعضا، ولا يعين بعضهم على بعض.
7- ذمّة المسلمين واحدة، يُجِير عليهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم.
8- كلّ ما كان من اختلاف أو شجار، فمردّه إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
9- المؤمنون على من بغى عليهم، وأنّ أيديهم عليه جميعا ولو كان ولدَ أحدهم.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
_______________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة و ثنتان وعشرون
*طوائف أهل يثرب*
بعد أن وضع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أسس المجتمع الإسلاميّ:
ـ بناء بيت الله الّذي يُؤويهم.
ـ ومؤاخاة تجمع قلوبهم.
ـ ودستورا يضبط أمورهم.
عاش المؤمنون من المهاجرين والأنصار أيّاما أسعد من تلك الأيّام !
وبقي من بقي على شركه..
لينزل البيان الإلهي مفصحًا ومبينًا ما لا يعلمه المسلمون عن فئات أهل المدينة وأخبار قلوبهم.
فكان الحديث عن الفئة الأولى: *فئة المنافقين:*
إذ فاجأت سورةُ البقرةِ الجميعَ وكشفت لهم عن قوم مُذَبْذَبين بين المؤمنين واليهود والكافرين .
قوم لم يظهر لهم وجود بعد .. ولكنّهم لن يتأخّروا فيظهرون .. قوم أطالت مقدّمة السّورة في بيان حالهم:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} ..
نعم إنها فئة المنافقين..
وكان على رأس هؤلاء رجلٌ يُدعى عبدَ الله بنَ أبيّ ابنَ سلول ـ والذي أمّل كثيرًا بكرسي الزعامة بين الأوس والخزرج ومن تبقى من شعوب المدينة، لكن ذلك لم يكن ليحصل بسبب ميل الأوس والخزرج لهذا النبي الكريم في مكة ؛ ـ
وكان لا بدّ لهذا الرجل أن يُظهر الإسلامَ إلى حينٍ ليعصِمَ دمَه ومالَه، وأنّه كان أوّل بذرة من بذور النّفاق.
ـ والفئة الثانية : *هم اليهود:*
وهم الذين أقاموا حوالَي المدينة والذين أغَاظَهم هذا الجوُّ الممتلئ إيمانا وإحسانا ..
وآذتْهم طرقات المدينة الّتي مُلِئت أعوانا للخير وإخوانا ..
وقد فضح البيان الإلهي أخلاقهم وكشف عن خبايا قلوبهم بأوّل سورة نزلت بالمدينة هي سورة البقرة؛
ذلك لأنّها تحمل في طيّاتها شُهُباً تكشف ما انطوت عليه نفوس اليهود، ففضحت طرقَهم وأساليبَهم، وبيّنت حبائلهم وألاعيبهم.
فتحدّثت السّورة عن كفرهم بالله عزّ وجلّ، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وصدّهم عن سبيل الله، وتمرّدهم في كلّ مرّة على كليم الله، وتحريفهم لكتاب الله..
وخاصّة نراها تدندن حول خصلة لا تفارقهم وهي نقض الميثاق
{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:100].
فكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم على أهبة لانقلاب اليهود عليهم في عشيّة أو ضحاها.
*ـ الفئة الثالثة : وهم أهل الشرك*
وقد جعل الوثنيّين من أهل المدينة يُقبِلون على الإيمان، لسماعهم أخباره عن أهل الأديان ..
الفئة الرابعة: *من أسلم من اليهود وغيرهم،* منهم :
ـ سلمة بن سلام بن وقش:
الّذي قال – كما عند ابن إسحاق والبيهقيّ -:
” والله ما ذهب اللّيل والنّهار حتّى بعث الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم وهو حيّ بين أظهرنا، فآمنّا به وكفر به من كفر بغيا وحسدا “.
ـ عبد الله بن سلام رضي الله عنه. وهو عالمٌ من علماء اليهود، والذي أخبرنا عن أول لقاء برسول الله كما روى التّرمذي وغيره عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ رضي الله عنه قال:
لَمَّا قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ! قَدِمَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ! قَدِمَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم!
فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)).
وقد عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم بين هؤلاء قائدًا ناجحا وحكيمًا ملك القلوب والرقاب ونبيًّا مصلحا ورحيما..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
_______________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة و ثلاثة وعشرون
*صناعة المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم*
بقيت الدّعوة إلى الله في المدينة تملأ الأجواء كما يملأها الهواء ..
ولم يزل المهاجرون يُقبِلون على مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتّى كثُروا.
فقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطُب على جِذع نخلةٍ ليراه النّاس، لكنْ لكثرة الوفودِ كلَّ يوم، كان لا بدّ من بناء مِنْبَرٍ مرتفعٍ عن الأرض يمكّن الحاضرين من الرّؤية والاستماع.
وكم كانت سعادتهم بهذا الخبر ! إلاّ أنّ هناك من ركِبه الحزن لذلك ..
شيءٌ حزِن لذلك حزناً شديدا، وبكى فأبكى أهل المسجد جميعا.
أحد الّذين حضروا تلك الدّموع يقصّ علينا الحدث ..
ففي “دلائل النّبوّة” لأبي نعيم (403) عن سهل بن سعد السّاعدي رضي الله عنه قال:
” كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقوم إذا خطب على خشبة كانت في المسجد، فلمّا ذاع النّاس وكثُروا قيل له:
يا رسول الله، لو جعلت منبراً تُشرف على النّاس منه ؟
فبعث إلى النجّار فانطلق، فانطلقت معه حتّى أتى الغابة، فقطع منها أَثْلاً ـ هو نوع من الشّجر كبير الحجم ـ فعمله وهيّأه..ثمّ أتينا نحمله.. فكان درجتين، والثّالثة مقعد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فوالله ما هو إلاّ أن قعَد عليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وتكلّم، فقدته الخشبة، فخارت كخُوار الثّور لها حنين، حتّى فزِع النّاس، وكثُر البكاء ممّا رأوا بها “!
وفي الصّحيحين عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قال:
كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا وُضِعَ لهُ المِنبَرُ سَمِعْنا لِلجِذْعِ مثلَ أَصوَاتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم،فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.
ثلاثُ درجاتٍ يسيرة لا أكثر .. كان يسمّى منبرَ الأثْل، ولكنّه لم يعُد يُنسَب إلى الأثل، بل لم يعُد ينتسِب إلى الأرض .. بل أصبح منبرا من الجنّة بحبه وحنينه للحبيب صلى الله عليه وسلم !
فقد روى الإمام أحمد والنّسائي بسند صحيح عن أمِّ سَلَمَةَرضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ )).
وأمّا ما بين المنبر وبيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمساحة من الرّبيع الخالد، والنّعيم الغامر..
فقد روى البخاري ومسلم عن عبدِ اللهِ بنِ زيْدٍ المَازِنِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّمقال: (( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ )).
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
__________________________________________________
سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم
الجلسة: مائة وأربع وعشرون
*الحياة تدب في المدينة*
*رسولنا صلى الله عليه وسلم يتفقد رعيته*
لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعيش في برج مشيّد، ولا قصر بعيد ..
بل كان صلّى الله عليه وسلّم مع الناس يأكل طعامهم، ويصافحهم، ويجلس إليهم .. ويسأل عن غائبهم، خاصّة بعد تلك الحمّى الّتي اجتاحت أكثر المهاجرين.
روى الإمام النّسائي وأحمد عن قرَّةَ بنِ إياسٍ المُزَنِي رضي الله عنه قال:
كانَ نبِيُّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم إِذَا جَلَسَ، يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ ـ أي مات ـ
فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ.
ففَقَدَهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقالَ: (( مَالِي لَا أَرَى فُلَانًا ؟))
قالُوا: يا رسُولَ اللهِ، بُنَيُّهُ الّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ !
فَلَقِيَهُ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فسَأَلَهُ عنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثمّ قال:
(( يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ:
ـ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ.
ـ أَوْ لَا تَأْتِي غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ ؟ ))
قال: يا نَبِيَّ اللهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إلى بابِ الجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. قال: (( فَذَاكَ لَكَ ))
زاد الحاكم:” فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أَله خاصَّةً أو لِكُلِّنَا ؟
قالَ صلّى الله عليه وسلّم:
(( بَلْ لِكُلِّكُمْ))”.
وتبلُغُ هذه البشرى بعضَ نساء الأنصار، فتأتيه وتسأله:
بأبي أنت وأمّي، واثنان ؟
قال: (( وَاِثْنَانِ )).
هكذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جامعاً لكلّ خير..
نهاره يتفقّد الرّعيّة، يتلو عليهم آيات ربّهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم .. ويسعى لصالحهم وفي مصالحهم..
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸
