سلسلة جلسات دينية يومية: سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم(الجلسات27-28-29-30)

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسل

الجلسة السابعة والعشرون: 

*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 10*

*زواجه المبارك من السيدة الخديجة رضي الله عنها*

لقد برز في مجتمع العرب عددٌ من النّساء، اشتهر بعضهنّ بالحكمة ورجاحة العقل، وبعضهنّ اشتهر بالمتاجرة ووفرة المال ..

أمّا خديجة رضي الله عنها فقد جمعت ذلك كلّه.

خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ .. اسمٌ صار أشهر من نار على علمٍ في رحاب الحسب والنّسب والجمال ..

وانضاف إليها كثرة ووفرة المال ..

عُرفت في الجاهليّة بـ ( الطّاهرة )، حتّى كان الأشراف يتزاحمون على بابها، والجميع يتشرّف بأن يكون من خُطّابها ..

ولكنّها كانت ذات همّة عالية، ونفس غالية ..

كانت لا تبحث عن الرّجولة في الصّورة، بل كانت تبحث عن الرّجولة في العقل والرّوح ..

في تلك الأيّام، كانت تستأجر بعض من لهم خبرة بالتّجارة لتُثمّر مالها ..

ومن طبيعة النّساء أن يسألن عن سادات الرّجال وكرمائهم، فتسمع أخبارهم وفي كلّ مرّة إذا حدّثوها عن شخصٍ ما تراها وكأنّها تقول:{فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ }

ولقد لفت انتباهها حديث النّاس عن محمّد صلّى الله عليه وسلّم .. فشدّتها سيرته ..

فعرضت عليه صلّى الله عليه وسلّم أن يُتاجر بمالها إلى الشّام، وتُعطيه ما كانت تعطي غيره من الرّجال ..

فقبِل صلّى الله عليه وسلّم  عرضَها وخرج ليتاجر بمالها، يُرافقُه غلام خديجة ( ميسَرة ).

فعاد إليها غلامها بالرّبح وزيادة .. جاءها بما تصبو إليه، وتبكي عليه ..

*جاءها بأوصاف تأخذ بالألباب، وتفتح إلى السّعادة كلّ باب ..*

حدّثها عن كرم أخلاقه، وصدقه وأمانته، ونُبله وعفّته صلى الله عليه وسلم

ولا شكّ – وهي المرأة الرّاجحة العقل – تعلم أنّ مثل هذه الأخلاق لا ينالها ابن بيئته، ولا تنتِجُها مثل حياته في اليُتم، ورعي الغنم، والفقر .. فأشرِب قلبها حبَّه ..

فأرسلت صديقتها نفيسة بنت منبه خُفية إليه لتعرض عليه أمر الزواج.
فقالت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟
فقال: ((ما بيدي ما أتزوج به!))،
قلت: فإن كُفيت ذلك، ودُعيت إلى المال، والجمال، والشرف، والكفاية، ألا تجيب؟
قال: ((فمن هي؟))، قلت: خديجة بنت خويلد، قال: ((وكيف لي بذلك يا نفيسة، وأنا يتيم قريش، وهي أيِّم قريش ذات الجاه العظيم والثروة الواسعة؟))، فقالت نفيسة: قل: بلى، وأنا أفعل”

فرضي ، وعرض الأمر على أعمامه فوافقوا على رغبته، لفضل ومكانة وعلو نسب السيدة خديجة.

وخرج معه عمه حمزة فخطبها إليه وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ذهبا ونشًّا ـ كل أوقية : أربعون درهما، والنش: نصف أوقية. ـ

وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله ولم يتزوج غيرها حتى ماتت..

وظل محبا وفيا لها إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى..
كيف لا وهي حبيبة القلب، ورفيقة الدرب، المواسية، المؤانسة..
أم أولاده ـ القاسم وعبد الله، وزينب ورقية وأم كلثوم فاطمة عليهم الصلاة والسلام ـ وهي سيدة نساء العالمين وسيد نساء أهل الجنة ..

وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج السيدة خديجة خمسا وعشرين سنة وعمرها أربعين سنة .

___________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

 الحلقة الثامنة والعشرون:

*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 11*

*شباب يبني صرح الإيمان في بني قومه*

*مشاركة الحبيب صلى الله عليه في تجديد بناء الكعبة*

ـ لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة ـ قبل بعثته ونبوته بخمس سنوات ـ اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة لما أصابها من تصدع جدرانها.. وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم عليه السلام رضما (حجارة) فوق القامة..
فأرادوا هدمها ليرفعوها ويسقفوها ولكنهم هابوا هدمها،
فقال الوليد بن المغيرة:

أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام يهدمها وهو يقول : اللهم لم نزغ، ولا نريد إلا الخير..

👈🏼وقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم قومه في تجديد وبناء الكعبة.

فقد روى البخاري ومسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي !
لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ !

قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ،
فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صلّى الله عليه وسلّم.

👈🏼 ومن الجميل عند قريش أنهم كانوا يصونون بناء البيت عن أي حرام..
كما قال أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد عمران بن مخزوم:
” لا تُدْخلوا في بنائها من كسبكم إلاّ طيّبا، لا يُدخل فيها مهر بغيّ ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من النّاس “. مصنف عبد الرزاق.

👈🏼 ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود دبَ الشقاق بين قبائل قريش، فكل منهم يريد أن ينال شرف رفع الحجر إلى موضعه، وكادوا أن يقتتلوا فيما بينهم..

حتى جاء أبو أمية بن المغيرة المخزومي فاقترح عليهم أن يحكّموا فيما اختلفوا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد الحرام ، فوافقوا على اقتراحه وانتظروا أول قادم، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم..

👈🏼 وما إن رأوه حتى هتفوا: *هذا الأمين، رضينا، هذا محمد،*

وما إن انتهى إليهم حتى أخبروه الخبر فقال: (هلمّ إليَّ ثوباً).
فأتوه به فوضع الحجر في وسطه ثم قال: (لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا).
👈🏼ففعلوا، فلما بلغوا به موضعه، أخذه بيده الشريفة ووضعه في مكانه..
👈🏼نعم لقد شارك تجديد بناء الكعبة، ووضع هو الحجر الأسود مكانه بيده الشريفة، وحاز الشرف الذي كادوا يقتتلون عليه جميعاً..

👈🏼 وبذلك أضافت قريش وساما آخر على كتفي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ..
فبعد أن اشتهر بالعفّة والصّدق والأمانة، اشتُهِر بينهم بالحكمة والحلم .. حكمة العلماء وحلم القادة الكبراء .. ممّا حبّبه للنّاس جميعًا..

___________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة التاسعة والعشرون: 

*شباب رسولنا صلى الله عليه وسلم 12*

*شباب يغرس محبته في بني قومه*

ديدنه كسب قلوب جميع النّاس، بحسن معاملته..
فكان نعم الزّوج لزوجه، ونعم الوالد لأولاده، ونعم الصّاحب لصاحبه، ونعم التّاجر في تجارته ..

فسماحته في بيعه وشرائه بلغت الآفاق..

وأراد أحدهم أن يستولي عليه بدلا من أبي بكر رضي الله عنه، ألا وهو السّائب بن أبي السّائب، فلم يجد بابا يصل به إلى قرب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ: أن يُشاركه في تجارته، ولكنّه لم يحظ بالقرب منه كقرب أبي بكر.

روى أبو داود وأحمد وغيرهما عَنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُشَارِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ الْإِسْلَامِ فِي التِّجَارَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ جَاءَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي، كَانَ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي )).

عندئذ نما مال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشترى عبدا اسمه زيد بن حارثة، فعامله معاملة أولاده، حتّى إنّ زيدا عندما حضر أهله ليأخذوه آثر البقاء مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم..
فعندئذ تبنّاه، وصار يُعرف بزيد بن محمّد صلّى الله عليه وسلّم..

– ولم يقتصر هذا الحبّ على احتلال القلوب، بل سرى في كلّ اتّجاه حتّى أحبته الأشجار والأحجار.

نعم، تلك الحجارة الصمّاء الّتي يضرب بها المثل في الصّلابة والقساوة،كانت تسلّم على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا مرّ بها.

فقد روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ )).

لم تزل تراتيل هذا الكون تحدّث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو لا يجد لها تفسيرا.

فكان يلجأ إلى سكينته وزروجه خديجة، يقصّ عليها ذلك.

ففي مسند الإمام أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ لِخَدِيجَةَ:

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ )) قَالَتْ:لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ !.

وكيف لا يحبّه الخلق كلّهم وقد أحبّه ربّه وربّهم ؟!

ثم التجأ بعدها إلى عزلته في غار حراءُ
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

__________________________________________________

سيرة المحبوب صلى الله عليه وسلم

الجلسة الثلاثون: 

*رسولنا الحبيب في سنّ الأربعين*

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع حياته مع قومه، يشاركهم الخير، ويتجنبهم في الشر..
فهو يعقل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التي فطره الله عليها، والمنهاج القويم الذي هداه الله تعالى إليه، وأدبه بأدبه!
ويعرف السوء والقبح الذي فشا بينهم وشاع..

إنه منذ عَقلَ يعلم تفاهة الطّقوس التي عليها قومه.

فقد روى أحمد عن عروة بن الزّبير رضي الله عنه قال:
حَدَّثَنِي جَارٌ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: (( أَيْ خَدِيجَةُ ! وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ الْعُزَّى أَبَدًا ))..

وفي “دلائل النبوة” للبيهقي عن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال:

كان صنمٌ من نحاس يقال له ( إساف ) أو ( نائلة ) يتمسّح به المشركون إذا طافوا.
فطاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وطفت معه، فلمّا مررت مسحت به، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (( لاَ تَمَسَّهُ )).

قال: فقلت في نفسي: لأمسّنّه حتّى أنظر ما يكون، فمسحته !

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أَلَمْ تُنْهَ ؟! )).

قال: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتّى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه..

👈🏼 لذا نجده اعتزل نواديهم وعكف في غار حراء يتحنث الليالي

ليبدأ نسيم الوحي يلامس فؤاده كهواء البحر المنعش يبشّره بحياة جديدة:

فالأرض تضرع للسّما
تهفو إلى أسمى لقا

بشراك أحمد واستلم
قبس النبــوّة مشرقـا

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}🌸

Loading...