المغربية المستقلة بقلم : حدو شعيب
في البداية أود أن اواسي معارفي وأصدقائي وأحبائي وأدعو لي ولهم بموفور الصحة وان يزول هذا الكابوس في أقرب وقت.
لعل شر البلية ما يضحك، إلا أني سأوظبها قليلا حتى تناسب هذا الزمن الذي نعيشه، وأقول بكل بساطة : لعل شر البلية ما يطمئن… كيف ذلك؟ في الحقيقة لا يمكن الاطمئنان لاي حال من الاحوال مهما كانت الظروف ومهما كانت الاحوال، فالفرح لا يدوم والقلق كذلك… لعل الشاهد على هذا التصور أبيات الشاعر التونسي ابي القاسم الشابي الذي قال : إذا الشعب يوما أراد الحياة … فلا بد ان يستجيب القدر / ولا بد لليل ان ينجلي … ولا بد للقيد ان ينكسر.
لنتأمل قليلا حال العالم سنة 2019 وما قبلها، أي قبل ظهور الفيروس اللعين، هل كان مطمئنا ؟ وبعد انتشار الوباء ماذا أضاف للبشرية عدا الخوف والهلع وتخبط المسؤولين قبل الانسان ؟
نعم قبل الفيروس، الناس كانوا منقسمين الى قطبين متباعدين ، في إحداها أناس يئنون تحت وطئ المعاناة، سواء كانت بسبب الحروب أو المجاعة او الفقر او الهجرة القسرية او البطالة حتى … في القطب المقابل، أناس يعيشون في بذخ لا حدود له ويعيشون عيشة شاذة لم يسبق ان سجلها التاريخ، مصاريف وحفلات لا معنى لها سوى الامعان في الاسراف والتظاهر بالغنى والترف… بين ذلك، الطبقة الوسطى تجمع بين اطرافها من كل نوع، من قريب للاغنياء الى الملتصق بالمشردين … لا يهم، لكن ما كان ملفتا حقا هو ذلك المشهد الشبه الميؤوس من تغييره وهو طغيان الطبقة المتجبرة وفرضها بالقوة واقعا على البشرية جمعاء … تقرر سعر النفط وسعر الصرف وسعر المواد الاولية وسعر الخدمات … كما تقرر من هو ارهابي ومن هو في دفاع عن النفس وتقرر من هو ظالم ومن هو مظلوم وتقرر من يحق له الكلام ومن لا يحق له وتحدد الخطوط الحمراء والصفراء وكل شيء … نعم بالامس القريب كان يخال لي ان العالم اصبح مرهونا في ايد أصحاب المال، يديرونه بسلطة المال والاعمال والاعلام وبالقوة، وقد بلغوا من التمكن الى درجة ان التغيير أصبح حلما تبخر تحت وطئ شتى الاسلحة المستعملة …
دون الغوص في التفاصيل، يبدو جليا مما عاشته المنطقة العربية من حرب وتقتيل طيلة عقود … حرب ابادت البشر والحجر والعالم يتفرج وكان لا شيء يستحق الاستنكار … دون نسيان مآسي افريقيا واوروبا الوسطى وأمريكا الجنوبية وشعوب جنوب شرق آسيا، كل هؤلاء ودعوا القرن العشرين على وقع الموت والدمار وبدئوا القرن الموال بوضع لا يقل قسوة من سابقه…
إذا أضفنا إجهاض أو وئد حركة المجتمعات المطالبة بالتغيير وطي صفحات السنين البائسة التي خيمت لعقود طويلة على المجتمعات وخنقتها او كادت لتترك ندوبا ومآس غير معبر عنها عادة ولا تظهر الا في حالة التخلف التي تعيشها تلك الشعوب، وركوب شبابها كل انواع المخاطر هربا من واقع ميؤوس من تغييره ، أو الانزلاق الى متاهات تحط من قيمة الفرد قبل المجتمع …
فلنعط ظهرنا لمعانات بنو جنسنا، ونلتفت قليلا الى محيطنا وتدهور بيئتنا، من حرائق الامازون الى حرائق استراليا دون نسيان كوارث التلوث التي تخنق الارض واستنزاف البر والحر دون رحمة والعبث في جينات المخلوقات …
كل هذه الكوارث وهذه الافعال السرطانية من فعل شياطين المال والاعمال، مقامرون ومضاربون، يربحون الملايير ويخسرونها في يوم وكأن المجهود البشري لم يعد سوى نزوة محفزة للقمار … من اجل المال وكسب المال، لم يعد هناك عمل ولا شيء يستحق العناية، لا الانسان ولا المجال، لا الحق ولا العمل، لا الاخلاق ولا القيم، كل شيء يباع ويشترى وهو مجال للمراهنة والمزايدة …
بعد ان أفرغت القيم من محتواها، وعلب الانسان في مجرد كائن مسخر، وسير الاعلام كأداة للتسويق، برزت ثقافات وإيديلوجيات تنتصر للمسخ وتذم الجد والحق، وهاهي الدمقراطية تتحول الى آلة لتفريخ الدجال والكذاب والمنافق وتمكينه من الامساك بمصير البلاد والعباد بيديه دون حسيب ولا رقيب حتى اذا فعل أفسد، وإذا قال كذب، وإذا وعد خلف، وإذا بطش بطش جبارا متعجرفا …
أمام وضع مأساوي، ومستقبل حالك، وتمكن الطغاة من جميع الوسائل للتحكم في مصير البشر، يطل الكورونا من رماد فظاعة ما ينتجه الطغاة للبشرية، قد يكون من انتاج المختبرات أو قد يكون كائن تحول فجأة من فيروس مسالم للانسان الى فيروس قاصدا تدمير الانسان بالذاة… لكن للطغاة يد في المعضلة بالتأكيد … وكيف لا وهم من دمروا مجهودات الشعوب في حفظ الصحة، وخصخصوا كل الخدمات الانسانية ودمروا بنيات التعليم والتكوين وجمدوا البحوث العلمية من أجل رخاء البشرية من أجل خدمة المال والاعمال … كل شيء أباحوه من أجل تمكين أصحاب المال والاعمال من وضع اليد على منافذ الحياة …
هكذا إذن، كورونا يبعثر الاوراق، يفضح المنظرين الذين أسقطوا البعد الانساني للعيش، أخطأ من قدر مصير البشر مرهون بما تمليه البورصات والنواد الخفية من بنوك وعائلات … كورون، وإن كان تأثيره محدودا، فقد دمر الركيزة الاساسية لفكر، لفلسفة، لنظريات، ان مصير البشر ليس بيده ومهما تطورت التكنلوجيا ومهما تطورت آلته الحربية الجهنمية، قد يأتيه عدوه من حيث لا يحتسب.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
