المغربية المستقلة : يونس حاليمي صحفي متدرب

نال موضوع الأخلاقيات الإعلامية في السنوات الأخيرة إهتماما كبيرا سواء من لدن المؤسسات الإعلامية أو من قبل منظمات المجتمع المدني، وحظي بإهتمام كبير بعدما تبين ان الحرية، وأن كانت أساسية لوجود صحافة مسؤولة غير كافية، فهي قد تتحول إلى فوض وتهدد مهمة الصحافة، كما تسيء إلى المجتمع، إن لم يلتزم الصحافيون بقيم مبدئية تنظم عملهم، خصوصا بعد ظهور إتجاهات خاطئة وممارسات شاذة في التعاطي المهني مع الأحداث والوقائع من قبل بعض الصحافيين تتنافى مع مفهوم الخدمة العامة التي تقوم عليها أسس الصحافة، الأمر الذي أبرز و أوضح أن تطبيق القيم الأخلاقية عنصر مهم لنجاح ووسائل الإعلام في اداء دورها، وللحفاظ على مستواها المهني.
غير ان موضوع اخلاقيات الإعلامية ليس بجديد، وأن لم يكن في القديم يحظى بالأهتمام الكبير، فهو رافق بمفاهيمه البدائية الصحافة منذ نشأتها وتطور معها عبر المراحل التي قطعتها في تجارب مختلفة
من بلد إلى أخرى، بيد أنه لم يتم تدوين أخلاقيات العمل الإعلامي إلا في منتصف السبعينيات، وبالخصوص بعد إعلان ميونخ، حيث أخذت أبعاد غير مسبوقة في العقدين الأخيرين، لا سيما بعد جنوح الصحافة ووقوعها في أخطاء كبرى.
أما في المغرب فقد كانت إشكالية المهنة مطروحة منذ عقود، بالرغم من أن قانون 1958 تحدث عن أخلاقيات المهنة بدون تحديدها، وتناولها في العديد من المناسبات، وظلت موضع شذ وجذب إلى أن أنشأت النقابة الوطنية للصحافة المغربية سنة 1993 لجنة أداب المهنة وتبنت ميثاق شرف ملزما لكل من ينتمي إلى النقابة، ثم أنشأت النقابة لجنة خاصة تعنى بالأخلاق في 1996 على إثر إنعقاد مؤتمرها الوطني الثالث، كما تم تنصيب الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير في 2002 بناء على توصيات المؤتمر الوطني الرابع للنقابة، لأعداد مشروع قانون للهيئة وكذلك عملت على وضع مشروع ميثاق أخلاقيات (يشتمل على ديباجة و 30 بند مقسمة بين 22 بند للواجبات الأساسية و 8 حقوق أساسية) المهنة وأسست جمعية لدعم الهيئة، وأذا تعثر الهيئة إلى مبادرى وزارة الاتصال إلى صياغة مشروع مجلس للصحافة، الذي سير النور سنة 2016 لتقنين العمل الصحافي، بالاضافي إلى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري التي أحدثت لنفس الغرض في مجال الاتصال السمعي البصري.
فلكل مهنة أخلاقياتها التي لابد من الإلتزام بها، و الصحافة كمهنة تقوم على أسس من الأخلاقيات يجب على الصحافي أن يمتهنا، كما يعد التفكير الأخلاقي من أول مبادئ العمل الصحفي فقبل كتابة الخبر او نشر الصورة لابد أن يفكر الصحافة في جميع الردود التي ستثيرها ومدى إنعكاسها على المجتمع.
وقبل أن نتطرق إلى أخلاقيات العمل الصحفي أو الاعلامي لا بد من التميز بين مفهوم الأخلاق ومفهوم الأخلاقيات،فتعبير الأخلاق يستعمل بمعنى أتيك “ethique” “يتناول التصرف الأخلاقي العام لأي إنسان”، والذي يعتبر حسب” أرسطو” الطبائع الشخصية الناتجة عن العلاقة بين الرغبات والعقل، بينما تعبير الأخلاقيات يستعمل بمعنى” ديونثولوجيا” أي مجموعة من الواجبات والإلتزمات الخاصة التي تنشأ عن ممارسة مهنة، وقد عرف الصحافي لبروخوف أخلاقيات المهنة” بالمبادئ والمعايير الأخلاقية التي لم تثبت قانونيا بعد ولكنها مقبولة في وسائل الصحفية ومدعومة من الرأي العام والمنظمات”.
وبفضل تشبت عدد كبير من الصحافيين بقواعد وسلوك نبيلة أصبحت المهنة تكتسب ألقاب مشرفة مثل المهنة النبيلة والسلطة الرابعة …ورغم الأختلافات التي قد نسجلها بين دلائل التي تناولت أخلاقيات المهنة الصحفية فإن مضمينها تتمحور في الغالب حول أساسيات كونية، ولكي لا يكون الكلام تنظيرا فارغا إليك بعض الأساسيات.
الحياد والموضوعية:
على الصحافي أن يقدم جل عناصر الخبر أو الواقعة بكل موضوعية، وذلك بإيراد جل الروايات والأراء دون أن يغفل أية رواية عند صياعة المادة الإعلامية (الرؤية الكاملة) وله الحق ان يعلق شريطة أن يكون هذا التعليق مميز عن الخبر فقد صدق المهدي بنونة مؤسس وكالة المغرب العربي للأنباء حين قال “الخبر مقدس والتعليق حر”.
عدم التحريض على العنف والعنصرية:
إذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعطي حق التعبير والاراء لأي فرد، فإنه يحظر في الوقت ذاته التعبير الذي يحرض على التميز والعنصرية، فالمادة 20 من إتفاقية الحقوق المدنية والسياسية تحظر التعبير عن الرأي في الحالات التي تضر المجتمع الدولي بحكم القانون كالدعاية للحرب وكذلك الدعوة للكراهية. بالإضافة إلى أن الدستور المغربي لسنة 2011 أعطى للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، ما عدا التي نص عليه القانون، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي، وفق أحكام الفصل28 من هذا الدستور.
احترام الحياة الخاصة:
يجب إحترام الحياة الخاصة بعدم نشر معلومات عن أي شخص، وهي حق أساسي من حقوق الإنسان، ولا يحق للصحافي إشباع فضول البعض عن طريق الإضرار بالبعض الأخ، و ينص الفصل 24 من الدستور المغربي لسنة 2011 على حماية حياته الخاصة لكل شخص، ولا يمكن إنتهاك هذا الحق إلا بمقرر قضائي، كما ورد في المادة 72 من القانون 88.13 على معاقبة كل شخص قام بسوء نية بنشر أو نقل خبر زائف أو إدعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلفة منسوبة للغير إذا أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس، بأي وسيلة من الوسائل ولا سيما بواسطة الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن او الإجتماعات العمومية او ….إلخ.
غير أنه في الواقع قد يوجد في بعض الأحيان، تعارض بين حق الفرد في الخصوصية وحق الأفراد في الاطلاع عليها، وذلك حين تكون الحقائق الخاصة من المصلحة العامة، وقد أجمعت كثير من المواثق على الإستثناءات التالية:
إذا تعلق الأمر بشخصية عمومية أو تشغل وظيفة عامة
عندما يعطي الشخص بنفسه لحياته الخاصة طابعا عموميا
عندما تجري الوقائع الخاصة في الساحة العامة
الحماية الشخصية لصحافي :
تضمن القوانين الدولية والوطنية الحماية الشخصية للصحافين أثناء مزاولة عملهم، فقد أوجبت المادة السابعة من القانون 88.13 على ان تلتزم السلطات العمومية بتوفير الضمانات القانونية والمؤسساتية لحماية الصحافيات والصحافيين من الاعتداء أو التهديد أثناء مزاولتهم لمهنتهم.
الحق في الحصول على المعلومات:
يحق للصحافيات و للصحافيين وفق التشريعات والقوانين الدولية أن يحصل على المعلومة، فالقانون الدولي يكرس حق الوصول إلى ارمعلومة في المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، والدستور المغربي أقر هذا الحق في الفصل 27 منه، كما نصت المادة 6 من القانون 88.13 على حق الصحافيين والصحافيات أن يلجو إلى مصادر الخبر من مختلف المصادر المكلفة بالمرفق العام أو المنتجبة، بإستثناء المعلومات التي تكتسي طابع السرية وتلك التي تم تقيدها في الفقرة الثانية من الفصل 27 .
حماية المصادر :
يحق للصحافي أن يحمي مصادره، وهذا الحق مكفول بموجب القانون 88.13، وبالخصوص المادة 5 منه، والتي تقر على ضمان سرية مصادر الخبر ولا يمكن الكشف عنها إلى بمقرر قضائي في القضايا المتعلقة بالدفاع الوطني وأمن الدولة الداجلي والخارجي، وكذلك إذا تعلق الأمر بالحياة الخاصة.
