كتاب الرأي : مدينة القياصرة الروس التي لا تغيب عنها الشمس ‘ سان بطرسبورغ ‘

الناظور :

المغربية المستقلة : وسام شكيري

مصدر إلهام كبار المفكرين والكتاب والمؤلفين والموسيقيين الروس على مدى التاريخ
سان بطرسبرغ هي مدينة القياصرة الروس. تتفاخر هذه المدينة، نظراً لكونها العاصمة الثقافية للبلاد، بمتاحفها المذهلة التي يفوق عددها الـ200، وأنهارها الخلابة، وقنواتها الساحرة، وهندستها المعمارية الرائعة والحياة الثقافية المفعمة بالحيوية.

وليس ثمة شك في أن هذه المدينة التاريخية العريقة والتي كانت فيما مضى عاصمة لروسيا تستهوي الكثير من الزائرين ممن يرغبون في التعرف عن كثب على لياليها البيضاء الغامضة وقنواتها المائية اللولبية المتعرجة والتي كانت مصدر إلهام دائم للعمالقة في عالم الأدب من أمثال فيودور دوستويفسكي ونيكولاي جوجول.

تاريخ ثري

سان بطرسبوغ هي عنوان للوحة فنية وسيمفونية معمارية مفرداتها قصور وآثار تجمع بين الأصالة والفخامة، مبانيها وميادينها مجللة بهيبة ماض تليد تفوح منه أطياب تاريخ ثري ثراء الحياة. هي بشوارعها ومبانيها، بقنواتها التي يبلغ عددها 93 قناة، وجزرها التي تجاوزت المائة، بجسورها التي يعدونها 342، وضواحيها المفرطة في الأناقة، كانت ولا تزال مفردات تاريخ ثري ثراء الحياة بكل معانيها. هي أنيقة في غير تكلف، جميلة في غير تبرج، معالمها تبدو منسجمة في وفاق مع الكثير مما يجيش في نفوس المحبين والعشاق. نسماتها مفعمة بأطياب تاريخ تتسلل إلى النفس لتشيع أجواء البهجة.

لياليها قال عنها أديبها ذائع الصيت فيدور دوستويفسكي في رائعته «الليالي البيضاء»: إنها «جميلة.. جميلة جمالاً لا نراه إلا حين نكون في ريعان الشباب أيها القراء الأحبة! السماء تتلألأ فيها النجوم، وتبلغ من الصفاء أن المرء يتساءل على الرغم منه حين ينظر إليها «هل يمكن تحت مثل هذه السماء أن يعيش أناس يملأ قلوبهم البغض، وتعبث بنفوسهم النزوات».

من البداية

شيدت المدينة في عهد القيصر بطرس الأكبر عام 1703، لتكون «نافذة روسيا» التي تطل منها على أوروبا و بعدما كانت تسبح فوق مياه المستنقعات وبعد أن شهدت عبر قرون سابقة ثورات وحروب ومؤامرات سياسية على مدى 350 عاماً بصورة تفوق ما شهدته أية مدينة أخرى خلال ألفية كاملة.

هذا التاريخ الذي تزهو وتتفاخر به سانت بطرسبرغ ، يبدو جلياً في كل مراحله، بداية من السفينة الحربية أورورو التي كانت إيذاناً بتفجر الثورة البلشفية وانتهاء بالحصار النازي للمدينة على مدى 900 يوماً والذي أودى بحياة حوالي مليونين من سكانها، ولا غرابة إذن أن تصبح سان بطرسبورغ وبعد عقود من الزمن مدينة القياصرة ومصدر إلهام كبار المفكرين والكتاب والمؤلفين والموسيقيين الروس على مدى التاريخ حتى باتت الآن من أكثر مقاصد العالم جذباً للسائحين، فضلاً عن ما تحظى به تلك المدينة العريقة من حركة رواج تجاري واقتصادي.

هندسة معمارية فريدة

وتزخر هذه المدينة بالعديد من القصور والمنتزهات والتماثيل والميادين والشوارع العريضة التي تحفها الأشجار وتضم بين جنباتها العديد من التماثيل والصروح المهمة جداً وتوسعت المدينة بعد ذلك باضطراد لتصبح في النهاية تتمدد على أكثر من 100جزيرة ارتبطت مع بعضها بـ 700 جسراً.

يعيش في سانت بطرسبورغ حالياً قرابة خمسة ملايين نسمة وفيها عدد كبير من الأبنية الحجرية ذات الهندسة المعمارية المتميزة ودور الموسيقى والبالية والأوبرا والقصور الفاخرة أشهرها قصر الشتاء الذي بني عام 1754 اعتماداً على فن العمارة الفرنسية في القرون الوسطى وهو مليء بالقاعات الفخمة الضخمة والأعمدة الشاهقة المنحوتة المزخرفة والحدائق البديعة والنوافير والمجالس القيصرية ذات القناطر الحجرية وكان مقراً للقياصرة حتى آخر حكمهم من أسرة رومانوف حين اقتحمه البلاشفة عام 1917.

الليالي البيضاء

تحتفل هذه المدينة بالتجربة التي طال انتظارها، ألا وهي «الليالي البيضاء»، وهي عبارة عن حوالى 80 أمسية تمتد من منتصف مايو إلى منتصف يوليو، لا تغرب فيها الشمس ولا يحل بها الظلام.

والليالي البيضاء هي ظاهرة طبيعية تحدث في أشهر الصيف في الأماكن الشمالية من الدائرة القطبية الشمالية أو جنوب الدائرة القطبية الجنوبية، حيث تبقى الشمس واضحة لمدة 24 ساعة كاملة، نظراً للطقس المعتدل.

في أشهر البرد تغرق مدينة بطرسبرج في الظلام الحالك لمدة طويلة، وعند انتهائها يحتفل السكان والزوار بالعودة القصيرة للأيام التي يسطع ضوء النهار فيها على مدار الساعة تقريباً، ويحدث ذلك عندما يلتقي الغسق بالفجر فتسطع الشمس منتصف الليل عالياً في السماء في الفترة المُمتدة من منتصف مايو إلى منتصف يوليو، وتكون الليالي مشرقة بحيث تبقى أضواء الشوارع مُطفأة.

ولطالما رحّب سكان وزوار العاصمة الثقافية في روسيا بفارغ الصبر بأيام الصيف الطويلة بجو من الفرح والاحتفالات منذ تأسيسها على يد بيتر العظيم في القرن الثامن عشر. خلال هذه الأيام يتوافد على المدينة عدد كبير من الزوار لما تقدمه من عروض وأنشطة ثقافية مثيرة للعائلات، فضلاً عن مهرجان «الليالي البيضاء» الأسطوري، والطعام الفاخر، والتاريخ الغني والكثير من المرح، كما تتوفر عدة مواقع مثيرة للاهتمام منها المتحف المائي، ومتحف علم الحيوان، المتحف الوطني للعروض «غراند ماكيت روسيا».

أجواء شاعرية

على الرغم من أنّ ظاهرة «الليالي البيضاء» الطبيعية لا تحدث فقط في هذه مدينة، إلا أنّه لم تتلقَ أي مدينة شمالية أخرى بمثل هذا المديح الشعري والأدبي والرومانسي الذي يتجلى من خلال المشي على طول ضفاف الأنهار والقنوات في المدينة في وضح النهار تقريباً، وبغض النظر عن الساعة؟ تُعتبر شوارع سان بطرسبرغ خلال أشهر الصيف بمثابة تجربة فريدة بحدّ ذاتها، ومفعمة بالحيوية وبجو من الألفة والرومانسية فضلاً عن أنها تعجّ بالناس ليلاً ونهاراً!

وعلى غرار البندقية، تتألّف سان بطرسبرغ، من مجموعة جزر صغيرة تتّصل ببعضها البعض بواسطة القنوات، وتشكّل مشهداً ساحراً جنباً إلى جنب مع هندستها المعمارية البديعة وتاريخها الحافل. وبما أنّ الشمس بالكاد تغيب، يتمتع الزوار بساعات إضافية لاستكشاف المدينة والتمتع فيها.

متحف الأرميتاج الأسطوري

متحف الأرميتاج الأسطوري: يعد واحداً من أجمل الأماكن السياحية التي يمكن أن يستهل بها الزائر جولته في سانت بطرسبورغ، وبالرغم من تعرضه للعديد من حوادث سرقات بعض مقتنياته فيما مضى إلا أنه لا يزال يحوى ثلاثة ملايين من الكنوز الفنية التاريخية وهو عدد ضخم من القطع الفنية والتحف واللوحات النادرة التي تكفي لإبقائك منشغلاً فقط بزيارة المتحف لعدة ساعات، ناهيك عن أن مباني المدينة ذاتها تستحق الاهتمام خاصة القصر الشتوي.

والأرمتياج يعد واحداً من أقدم المتاحف الفنية في العالم وهو عبارة عن 5 قصور شاسعة المساحة تحتاج زيارته بأكمله إلى السير 24 كيلومتراً.

ولمتحف الإرميتاج فروع دولية تقع في أمستردام، ولاس فيجاس، وفيرارا في إيطاليا وآخر كان في لندن بيد أنه أغلق في 2007 ويحمل متحف الإرميتاج سجل «جينيس» لأكبر مجموعة من اللوحات في العالم.

القصر الشتوي

في الفترة من 1970 وما بعدها، ظل هذا القصر الشتوي مقر الاقامة الرئيسي للقياصرة الروس. وهذا القصر المشيد على الطراز الباروكي والذي يحتل موقعاً رائعاً على ضفة نهر نيفا، يجذب الملايين من السائحين سنوياً ويعتبر من بين مناطق الجذب السياحي الأكثر إثارة للإعجاب لدى الزائرين للمدينة.

والقصر المؤلف من ثلاثة طوابق باللونين الأبيض والأخضر له 1786 باباً و1945 نافذة كما يضم 1057 من القاعات والغرف الفخمة ذات الديكورات الأنيقة التي يفتح العديد منها للزيارة .وقد شيدت هذا القصر الامبراطورة اليزابيث ابنة القيصر بيتر الأكبر في الفترة من 1754 إلى 1762.

الكنيسة المشيدة على الدم المراق

الكنيسة المشيدة على الدم المراق: تتميز هذه الكنيسة بالقباب البصلية اللون والفسيفساء المبهرجة تقريباً، وقد شيد هذا المبنى ذو الطراز المعماري الفريد في مطلع القرن العشرين على نفس الموقع الذي اغتيل فيه القيصر ألكساندر الثاني في عام 1881، كما أن هذه الكنيسة التي كانت القوات السوفيتية تستخدمها في تخزين البطاطس ابان الحرب العالمية، قد أعيد افتتاحها أخيراً للجمهور في عام 1997.

Loading...