فاطمة الزهراء المنصوري: ثقل التاريخ ومصيدة واجب النموذج عزيزبرجاوي

المغربية المستقلة  :

تشكل تسمية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية محطة سياسية ومؤسساتية غير مسبوقة في تاريخ المملكة. فبعد سنوات من الحضور المتزايد للنساء في مختلف مستويات المسؤولية العمومية، تصل امرأة، للمرة الأولى، إلى رئاسة الجهاز التنفيذي في المغرب
غير أن القيمة التاريخية لهذه الخطوة لا ينبغي أن تحجب طبيعة المهمة التي تنتظر رئيسة الحكومة الجديدة. فخلف رمزية التعيين، تبرز ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية ثقيلة، كما يبرز تحدٍّ آخر أقل وضوحاً: خطر أن تتحول تجربتها، بحكم كونها الأولى، إلى اختبار رمزي أوسع من حدود أدائها السياسي نفسه
فنجاحها سيُقرأ بوصفه نجاحاً لحكومة تقودها امرأة، فيما قد يُقرأ أي تعثر، في بعض الخطابات، باعتباره دليلاً على محدودية وصول النساء إلى قمة السلطة التنفيذية. وهذه هي المفارقة التي يمكن تسميتها بـمصيدة واجب النموذج
مسار سياسي صقلته ممارسة السلطة
لا تصل فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة من خارج المشهد السياسي. فقد راكمت خلال السنوات الماضية تجربة في تدبير الشأن المحلي والوزاري والحزبي، جعلتها من الوجوه البارزة في حزب الأصالة والمعاصرة
ومن أبرز محطات مسارها انتخابها رئيسةً لمجلس مدينة مراكش وهي في سن مبكرة نسبياً، ثم توليها حقيبة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وقد وفرت لها هذه المسؤوليات تجربة مباشرة في التعامل مع الإدارة والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والملفات الترابية والعمرانية
كما أن حضورها في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة منحها تجربة إضافية في العمل الحزبي والتفاوض السياسي، وهي خبرات ستكون ذات أهمية خاصة في مرحلة تشكيل الحكومة وإدارة التوازنات داخل الأغلبية البرلمانية
لذلك، فإن صعودها إلى رئاسة الحكومة لا يمكن اختزاله في بعدها الرمزي. إنه يأتي أيضاً نتيجة مسار سياسي وإداري طويل نسبياً، انتقلت خلاله من تدبير الشأن المحلي إلى المسؤولية الحكومية ثم إلى قيادة الجهاز التنفيذي
من الرمز إلى المسؤولية
يحمل تعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية دلالة تتجاوز حدود التجربة الشخصية لفاطمة الزهراء المنصوري
ففي بلد عرف خلال العقود الأخيرة توسعاً تدريجياً في حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة والإدارة والحكومة، يمثل وصول امرأة إلى أعلى منصب حكومي تحولاً إضافياً في مسار المشاركة السياسية للنساء
لكن الرمزية السياسية لا تكفي وحدها
فالاختبار الفعلي يبدأ بعد لحظة التعيين: تشكيل حكومة قادرة على العمل، تحديد الأولويات، تنفيذ السياسات العمومية، وإدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرها البلاد
وهنا تبرز ضرورة عدم تحويل التجربة إلى مجرد «قصة نجاح نسائية». فرئيسة الحكومة ينبغي أن تُحاسب، قبل كل شيء، على نتائج حكومتها، وعلى قدرتها على تنفيذ برنامجها وعلى إدارة المؤسسات والائتلافات السياسية، تماماً كما يُحاسب أي رئيس حكومة
نظرة الخارج: اهتمام أكبر، وانتظار للنتائج
من الطبيعي أن يحظى وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية باهتمام دولي. فالتعيين يضيف بعداً جديداً إلى صورة المغرب في الخارج، خصوصاً في ما يتعلق بمسار مشاركة النساء في الحياة العامة
غير أن الاهتمام الدولي لا يمكن أن يتحول تلقائياً إلى حكم إيجابي على التجربة
فالشركاء الاقتصاديون والدبلوماسيون ينظرون، في النهاية، إلى قدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتحسين مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل، ومواصلة الإصلاحات الاجتماعية، وإدارة المشاريع الكبرى التي يراهن عليها المغرب خلال السنوات المقبلة
ومن هذه الزاوية، فإن القيمة السياسية لتعيين المنصوري ستتحدد تدريجياً بما ستنجزه الحكومة، لا بمجرد كون رئيستها امرأة
وهنا تحديداً ينتقل الحدث من المجال الرمزي إلى المجال العملي
مصيدة واجب النموذج
تواجه النساء اللواتي يصلن إلى مواقع قيادية للمرة الأولى مشكلة لا تواجهها بالحدة نفسها الشخصيات التي سبقتها إلى المنصب
فالرجل الذي يفشل في إدارة حكومة يُحاسب عادة على خياراته السياسية، وعلى تحالفاته، وعلى سياسته الاقتصادية أو الاجتماعية. أما المرأة التي تصل للمرة الأولى إلى المنصب نفسه، فقد يتحول فشلها المحتمل، في بعض الخطابات، إلى حكم أوسع على قدرة النساء على ممارسة القيادة
هذه هي مصيدة النموذج
فبدلاً من أن تكون فاطمة الزهراء المنصوري مسؤولة سياسية تُقيّم وفق أدائها الفردي، قد تجد نفسها، بشكل ضمني، مطالبة بإثبات شيء أكبر: أن المرأة قادرة على إدارة السلطة التنفيذية بكفاءة
وهذا عبء غير عادل من الناحية السياسية
فالنجاح لا ينبغي أن يُنسب إلى «النساء» باعتبارهن فئة، كما لا ينبغي أن يتحول الفشل إلى حجة ضدهن. إنما ينبغي أن يُقاس أداء الحكومة بقراراتها ونتائجها وسياقها السياسي والاقتصادي
بين السلطة الرمزية والسلطة الفعلية
غير أن التركيز على البعد النسائي للتجربة قد يحجب سؤالاً أكثر أهمية: ما حجم هامش المناورة الذي ستكون متاحة لرئيسة الحكومة داخل النظام السياسي والمؤسساتي المغربي؟
فرئاسة الحكومة لا تعني ممارسة السلطة في فراغ. فنجاح أي حكومة يرتبط بتوازنات البرلمان، وبطبيعة الأغلبية الحكومية، وبالعلاقة بين مختلف المؤسسات، وبقدرتها على تحويل القرارات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، سيكون تشكيل الحكومة واختيار مكوناتها وتوزيع الحقائب وطريقة إدارة الأغلبية من أول الاختبارات السياسية الحقيقية أمام المنصوري
فالسؤال ليس فقط: هل تستطيع امرأة قيادة الحكومة؟
بل أيضاً: كيف ستستخدم رئيسة الحكومة الأدوات السياسية والمؤسساتية المتاحة لها؟
وهذا سؤال أكثر دقة من اختزال التجربة في بعدها الجندري
النجاح الذي يتجاوز صاحبة المنصب
قد يكون أكبر تحدٍّ أمام فاطمة الزهراء المنصوري هو تحويل رمزية وصولها إلى نتيجة مؤسساتية دائمة
فإذا نجحت التجربة، يمكن أن يصبح وصول النساء إلى مواقع القيادة العليا أمراً أقل استثنائية في المستقبل. أما إذا واجهت صعوبات، فمن المهم ألا تتحول تلك الصعوبات إلى حكم عام على تجربة النساء في السياسة
وفي الحالتين، فإن مسؤولية المنصوري تظل مسؤولية سياسية قبل أن تكون مسؤولية رمزية
فهي لا تحمل على عاتقها مسؤولية «إثبات قدرة المرأة» بقدر ما تتحمل مسؤولية قيادة حكومة في مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية كبيرة
وهذا التمييز مهم
لأن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها تجربة امرأة في قمة السلطة ليست أن تتحول إلى «دليل» على أن النساء أفضل أو أسوأ من الرجال في الحكم، وإنما أن يصبح وجود النساء في مواقع القرار أمراً طبيعياً، بحيث يُقاس المسؤول السياسي بما ينجزه لا بجنسه
خاتمة: من لحظة تاريخية إلى تجربة سياسية
ستظل تسمية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة لحظة تاريخية في مسار المشاركة السياسية للنساء في المغرب
لكن التاريخ وحده لا يصنع ولاية ناجحة
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة التي ستقودها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية، وإدارة الملفات الاقتصادية، وتنفيذ الإصلاحات، والحفاظ على الانسجام السياسي والمؤسساتي
أما على المستوى الرمزي، فقد يكون التحدي الأكبر هو التحرر من «واجب النموذج»: ألا تُطلب من رئيسة الحكومة الجديدة مهمة إثبات قدرة النساء على الحكم، بل أن تُمنح المساحة نفسها التي تُمنح لأي مسؤول سياسي لكي تنجح أو تخفق وفق أدائها وقراراتها ونتائج حكومتها
عندها فقط يمكن أن تتحول لحظة التعيين من حدث تاريخي إلى تحول مؤسساتي حقيقي
وقد يكون ذلك، في نهاية المطاف، هو الاختبار الأهم: أن يصبح وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة حدثاً تاريخياً مرة واحدة، لا استثناءً تاريخياً إلى الأبد

Loading...