المغربية المستقلة : سمير باكير
ليس دفاعاً عن أحد، ولا تحاملاً على شخص، أن نميّز بين الرئيس نواف سلام كفردٍ قد يكون أنظف وأقلّ تلوثاً بمحيط الفساد ممن سبقه، وبين مواقفه السياسية والاستراتيجية التي نختلف مع كثيرٍ منها. فالإنصاف يقتضي الفصل بين الرجل وموقعه، وبين الشخص وتصريحاته. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألّا نترك التاريخ يُشوَّه، ولا أن تُبنى سياسة وطنية على رواية ناقصة أو مضلّلة.
ما قاله الرئيس سلام أخيراً، من أنّ “حصْر السلاح أمرٌ اتفقنا عليه منذ عام 1989 في اتفاق الطائف”، يحتاج إلى تصحيح. فاتفاق الطائف لم ينصّ على حصر السلاح بشكل مطلق، بل تحدّث عن نزع سلاح الميليشيات التي خاضت الحرب الأهلية، وأكّد في المقابل حق لبنان في المقاومة. ثم جاء تطبيق الاتفاق في عهد الرئيس الياس الهراوي، عبر قرار مجلس الوزراء رقم (1) عام 1991، ليكلّف الجيش اللبناني حرفياً بنزع السلاح الميليشيوي، من دون أي ذكر لسلاح آخر. هذا هو النص، وهذا هو السياق. أما تحويل الطائف إلى غطاءٍ لنزع سلاح المقاومة، فهو قراءة متأخرة، سياسية، لا تاريخية.
أما القول إنّ لبنان “لم يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة”، فهو تصحيح مقلوب. فاتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن ربط كلّياً بين انسحاب إسرائيل ونزع سلاح المقاومة، ونصّ على إقامة مناطق تجريبية إسرائيلية في الجنوب للتأكد من نزع ذلك السلاح، كشرطٍ للانسحاب، وبلا ضمانات ولا مدة زمنية. فكيف يُقال بعد ذلك إنّ لبنان لم يربط الانسحاب بنزع السلاح؟ الحقيقة أنّ الربط حصل، ومن وقّع عليه يتحمّل مسؤوليته التاريخية.
وهنا تظهر القاعدة البديهية التي يحاول الرئيس جوزيف عون والرئيس نواف سلام إلغاءها، بتوجيهٍ من إدارة دونالد ترامب: حقّ الناس في أن يدافعوا عن أنفسهم عندما تغيب السلطة الرسمية، أو تعجز، أو تمتنع عن الدفاع عنهم. هذا الحق ليس ترفاً سياسياً، ولا سلاحاً حزبياً، بل حقّ طبيعي لا يسقط بمرسوم ولا بقرار خارجي. من يريد بناء دولة لا يبدأ بتجريد الناس من حق الدفاع عن أنفسهم، بل بجعل الدولة قادرة على حمايتهم. أما أن تُترك البيوت مكشوفة للعدوان، ثم يُطالب الناس بنزع سلاحهم، فهذا ليس سيادة، بل تسليم.
المعطيات التي نشرتها “الأخبار”، وما نقلته “رويترز” عن مسؤول إسرائيلي كبير، ومواقف مسؤولين فرنسيين وبريطانيين وإيطاليين وإسبان، إضافة إلى تصريحات ترامب ونتنياهو، ترسم صورة قاتمة. فباريس تقول إنّ لبنان لا ينبغي أن يكون كبش فداء. لندن تتحدث عن أنّ حكومة لبنان كانت عقبة وأوقفت البند المتعلق بلبنان. روما ومدريد تتحدثان عن جرائم حرب، وعن أنّ عدم التزام إسرائيل بوقف النار قرارٌ من الحكومة اللبنانية. ترامب يقول إنّ إلغاء بند لبنان من الاتفاق كان طلباً رسمياً لبنانياً. نتنياهو يقول إنّ حكومة لبنان رفضت الاتفاق الأميركي – الإيراني، ولذلك لا مصلحة له في أي اتفاق. ورويترز تنقل عن مسؤول إسرائيلي أنّ عشرات الاتصالات تصل من شخصيات رسمية وحزبية لبنانية رفيعة المستوى، تتمنى استمرار القتال ضد حزب الله، وإدراج بند سحب سلاحه كشرط أساسي في الاتفاق.
إذا صحّت هذه المعطيات، ولو جزئياً، فهي ليست مجرد خلاف سياسي، بل جريمة وطنية كبرى. لأنّ من يطلب من العدو أن يستمر في القتال، أو يؤجّل وقف الحرب إلى ما بعد مفاوضات واشنطن، إنما يقدّم دماء اللبنانيين ثمناً لمشروع سياسي. ومن يعرف القاتل وشركاءه، يجب أن يسمّيهم، لا أن يترك الشعب اللبناني في ضباب. فالمحاسبة لا تكون فقط على إسرائيل، بل على كل من مدّد لها الوقت، وغطّى جريمتها، وطلب منها المزيد.
لا يمكن بناء دولة على أنقاض حق الدفاع. ولا شرعية لسلطة تطلب للعدو أن يستمر في قتل أبنائها. التصحيح واجب، لأنّ التاريخ ليس ملكاً لأحد. والمحاسبة واجب، لأنّ الدم ليس ورقة تفاوض. والمقاومة، في غياب الدولة أو عجزها أو امتناعها، تبقى حقاً طبيعياً ما دام الاحتلال والعدوان. ومن أراد لبنان سيداً حراً، فليبدأ بأن يعرف من يحميه، ومن يبيعه، ومن يفتح له أبواب النار ثم يطالبه بأن يصمت.
