المغرب وبناء شبكة نفوذ جيو-اقتصادي في أفريقيا من العمق التاريخي إلى أفق الربط القاري بين الأطلسي والمحيط الهندي
المغربية المستقلة : عزيز برجاوي
مقدمة
يتميز المغرب بموقع جغرافي يجعله نقطة التقاء بين أوروبا وأفريقيا، والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وقد سمح هذا الموقع تاريخياً بقيام علاقات تجارية وثقافية مع المجالات المحيطة، غير أن التحولات الاقتصادية الحديثة جعلت من الممكن تحويل الجغرافيا إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية من خلال تطوير الموانئ والبنية التحتية والصناعة وشبكات الطاقة واللوجستيات
إلى أي مدى يستطيع المغرب تحويل موقعه الجغرافي وبنيته التحتية إلى شبكة نفوذ جيو-اقتصادي تمتد من أوروبا إلى أفريقيا، وربما تساهم مستقبلاً في ربط الممرات الاقتصادية بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي؟
وتعتمد الدراسة على التمييز بين الواقع القائم والمشاريع الجارية والسيناريوهات المستقبلية، خصوصاً عند تناول العلاقة المحتملة بين المبادرة الأطلسية الملكية وممر لابسيت في شرق أفريقيا
العمق التاريخي والجغرافي
تكشف الاكتشافات الأثرية في وادي بهت عن وجود مجتمع زراعي معقد في شمال غرب المغرب خلال الفترة الممتدة تقريباً بين 3400 و2900 قبل الميلاد، مع وجود مؤشرات على تفاعلات مع المجال المتوسطي. ولا تسمح هذه المعطيات بالحديث عن استمرارية سياسية بين ذلك المجتمع والدولة المغربية الحديثة، لكنها تؤكد عمق انخراط المجال المغربي في شبكات الإنتاج والتبادل منذ عصور مبكرة
وفي العصر الحديث، اكتسب الموقع الجغرافي للمغرب أهمية جديدة بفضل قربه من أوروبا وإشرافه على مضيق جبل طارق وامتلاكه واجهتين بحرية متوسطية وأطلسية. غير أن الموقع وحده لا ينتج قوة اقتصادية؛ إذ يحتاج إلى موانئ وشبكات نقل وصناعة وأسواق
وهنا انتقل المغرب تدريجياً من الاستفادة من الموقع إلى محاولة تحويل الموقع إلى بنية اقتصادية ولوجستية
الموانئ المغربية وهندسة الاتصال
يمثل طنجة المتوسط أبرز مظاهر هذا التحول، إذ أصبح مركزاً للنقل البحري وإعادة الشحن والخدمات اللوجستية والصناعة المرتبطة بالميناء. وبذلك لم يعد الميناء مجرد نقطة عبور، بل أصبح جزءاً من منظومة صناعية ولوجستية مرتبطة بالتجارة العالمية
ويضاف إلى ذلك ميناء ناظور غرب المتوسط، الذي يمثل مشروعاً مينائياً وصناعياً متكاملاً على الواجهة المتوسطية الشرقية للمغرب، ويضم مكونات مرتبطة بالحاويات والطاقة والبضائع السائبة والمنصات الصناعية واللوجستية.
أما في الواجهة الأطلسية، فتندرج المشاريع المرتبطة بالداخلة والموانئ الأطلسية في تصور أوسع لتقوية حضور المغرب جنوباً وربط بنيته التحتية بالاقتصادات الأفريقية
وبذلك يمكن النظر إلى
طنجة المتوسط – ناظور غرب المتوسط – الواجهة الأطلسية – الداخلة الأطلسية
باعتبارها عناصر في منظومة مينائية متعددة المراكز، تختلف وظائفها لكنها يمكن أن تتكامل في مجالات التجارة والصناعة والطاقة واللوجستيات
من الموانئ إلى الاقتصاد الصناعي
لا تكفي الموانئ وحدها لبناء النفوذ الجيو-اقتصادي. فقيمتها ترتفع عندما تكون مرتبطة بمناطق صناعية وسلاسل إنتاج قادرة على التصدير
وقد شهد المغرب تطوراً في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران، إضافة إلى الصناعات الكيميائية والغذائية. وأصبحت بعض هذه القطاعات مرتبطة مباشرة بالموانئ وشبكات التصدير
كما يمثل الفوسفات والأسمدة أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية المغربية. فالمغرب يمتلك احتياطيات كبيرة من الفوسفات، وطوّر منظومة صناعية تشمل الاستخراج والتحويل وإنتاج الأسمدة، مع توسع الأنشطة المرتبطة بالقطاع في عدد من الدول الأفريقية
وبذلك يتحول المورد الطبيعي إلى شبكة اقتصادية تجمع بين
المادة الأولية → التصنيع → النقل → التمويل → السوق الأفريقية
ويضاف إلى ذلك قطاع الهيدروجين الأخضر الذي يمكن أن يربط بين الطاقة المتجددة والصناعة والموانئ، بما قد يمنح المغرب مستقبلاً موقعاً مهماً في سلاسل الطاقة والصناعة منخفضة الكربون
المبادرة الأطلسية الملكية والساحل
في نوفمبر 2023، أعلن الملك محمد السادس مبادرة لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، من خلال الاستفادة من البنية التحتية المغربية وتعزيز شبكات النقل والاتصال والتعاون الاقتصادي
وتكمن أهمية المبادرة في انتقال التفكير من مجرد تطوير الموانئ المغربية إلى محاولة ربط الدول غير الساحلية بالمنافذ البحرية والأسواق الدولية
غير أن المبادرة لا ينبغي تقديمها باعتبارها ممراً مكتملاً قائماً اليوم، بل باعتبارها إطاراً استراتيجياً يحتاج إلى تطوير الطرق والبنية اللوجستية والتعاون الجمركي والاستثمارات حتى يتحول إلى شبكة عملية واسعة
ومن منظور جيو-اقتصادي يمكن تلخيص منطقها في
الميناء → الممر → الدولة غير الساحلية → السوق العالمية
وهذا يجعل الواجهة الأطلسية المغربية جزءاً محتملاً من منظومة اقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية
LAPSSET والنموذج الشرقي
في شرق أفريقيا، يقدم ممرلابسيت نموذجاً مختلفاً لكنه مهم للمقارنة
فالمشروع، الذي يحمل اسم ميناء لامو – ممر النقل بين جنوب السودان وإثيوبيا، يهدف إلى ربط ميناء لامو في كينيا بالمناطق الداخلية في كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان، عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والمنشآت اللوجستية والطاقة
ومن الناحية التحليلية، يقدم لابسيت نموذجاً واضحاً لفكرة
الميناء البحري + الممر البري + الدول الداخلية + الأسواق = ممر اقتصادي إقليمي
وهنا يظهر التشابه مع المبادرة الأطلسية، مع ضرورة التأكيد على اختلاف الواقعين
ففي الشرق
المحيط الهندي → لامو → كينيا → إثيوبيا وجنوب السودان
وفي التصور الأطلسي
المحيط الأطلسي → الموانئ المغربية → شبكات النقل → دول الساحل
ولا يوجد اليوم ممر مباشر يربط لابسيت بالمغرب، كما أن المشروعين لا يشكلان مشروعاً واحداً
من الممرات الإقليمية إلى شبكة أفريقية؟
هنا تبدأ الرؤية الاستشرافية
إذا كانت أفريقيا تطور ممرات إقليمية متعددة، فإن السؤال البعيد المدى هو: هل يمكن أن تتصل هذه الممرات ببعضها خلال العقود المقبلة؟
لا يعني ذلك بالضرورة إنشاء طريق واحد من المغرب إلى كينيا، وإنما يمكن تصور شبكة من الممرات المتقاطعة
المغرب → غرب أفريقيا → الساحل → أفريقيا الوسطى → شرق أفريقيا → لامو → المحيط الهندي
هذا السيناريو لا يمثل مشروعاً قائماً، بل فرضية جيو-اقتصادية بعيدة المدى
وقد يصبح ممكناً نظرياً إذا تطورت عدة عناصر في وقت واحد
شبكات الطرق والسكك الحديدية
الموانئ والمناطق اللوجستية
التكامل الجمركي
التجارة البينية الأفريقية
الاستثمارات العابرة للحدود
أمن الممرات
الطاقة وشبكات الأنابيب
تطبيق أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية
وفي هذه الحالة، لن تكون القيمة الأساسية في وجود «طريق شرق–غرب» واحد، بل في قيام شبكة أفريقية من الممرات الاقتصادية المترابطة
الطاقة والممرات الاقتصادية
لا تقتصر عملية الربط على البنية البرية والبحرية. فمشاريع الطاقة يمكن أن تشكل طبقة أخرى من الشبكة المستقبلية
ويبرز هنا مشروع أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا باعتباره مثالاً على البنية التحتية العابرة لعدة دول على الواجهة الأطلسية
ومن منظور أوسع، يمكن أن تتداخل مستقبلاً
ممرات التجارة + الموانئ + خطوط الطاقة + الصناعة + شبكات البيانات والاتصالات
وعند هذه النقطة يتحول الممر من مجرد طريق لنقل البضائع إلى فضاء اقتصادي متكامل
أوروبا – المغرب – أفريقيا
يحتل المغرب موقعاً يسمح له بالارتباط في الوقت نفسه بالاقتصاد الأوروبي وبالاقتصادات الأفريقية
فأوروبا تمثل سوقاً وقاعدة صناعية وتكنولوجية ومالية مهمة، بينما تمثل أفريقيا مجالاً واسعاً للأسواق والاستثمارات والموارد والنمو المستقبلي
ومن ثم يمكن تصور مثلث جيو-اقتصادي
أوروبا ↔ المغرب ↔ أفريقيا
وفي هذا النموذج يمكن للمغرب أن يعمل كحلقة اتصال بين شبكات الإنتاج الأوروبية وبعض الأسواق الأفريقية، مستفيداً من موقعه وموانئه وصناعته وخدماته اللوجستية
لكن تحقيق هذا الدور يظل مرتبطاً بقدرة المغرب على تطوير رأس المال البشري، والحفاظ على تنافسية الصناعة، وتحسين الإنتاجية، ومعالجة تحديات المياه والطاقة
التحديات
تواجه هذه الرؤية مجموعة من التحديات
أولها الأمن والاستقرار، خصوصاً في مناطق الساحل التي تمر بها بعض الممرات المحتملة
وثانيها التمويل، لأن إنشاء ممرات عابرة للحدود يتطلب استثمارات ضخمة وطويلة الأجل
وثالثها التكامل الجمركي والمؤسسي، لأن الممر الاقتصادي لا يعمل بكفاءة إذا بقيت الحدود تعاني من الإجراءات المعقدة
أما التحدي الرابع فهو رأس المال البشري، إذ تحتاج الصناعة والموانئ والطاقة واللوجستيات إلى كفاءات متخصصة
وأخيراً، يظل الأمن المائي من أهم التحديات الداخلية للمغرب، خاصة في ظل تزايد الضغوط المناخية على الموارد المائية
من «الإمبراطورية» إلى «شبكة النفوذ»
تكشف هذه الدراسة أن مفهوم القوة الاقتصادية المغربية يتغير تدريجياً من الاعتماد على الموقع والموارد إلى بناء شبكات من الموانئ والصناعة والطاقة واللوجستيات والاستثمار
ويشكل ناظور غرب المتوسط جزءاً من البنية المينائية والصناعية المغربية، بينما تمثل المبادرة الأطلسية الملكية إطاراً لتوسيع إمكانات الربط نحو دول الساحل، ويقدم LAPSSET في شرق أفريقيا نموذجاً مختلفاً لممر يربط ميناءً بالمناطق الداخلية
ولا يوجد في الوقت الراهن اتصال مباشر بين هذه المشاريع. غير أن النظر إليها ضمن أفق زمني طويل يفتح فرضية أكثر طموحاً: إمكانية نشوء شبكة أفريقية من الممرات الاقتصادية المترابطة، تمتد تدريجياً بين الواجهات الأطلسية والمتوسطية والمحيط الهندي
ولا يعني هذا أن إنشاء مثل هذه الشبكة أمر حتمي، بل يتوقف على عوامل سياسية وأمنية واقتصادية ومالية ومؤسسية
ومن هنا فإن «الإمبراطورية» التي يمكن الحديث عنها في هذه الدراسة ليست إمبراطورية ترابية، وإنما شبكة نفوذ جيو-اقتصادي تقوم على القدرة على الربط بين
الميناء والممر
والممر والسوق
والسوق والشبكة
وفي أفق أبعد، قد تصبح المسألة الأساسية في الجغرافيا الاقتصادية الأفريقية ليست: من يملك الأرض؟ وإنما من يستطيع أن يربط أجزاء القارة ببعضها؟
وهنا تكمن القيمة الاستشرافية للرؤية المغربية: ليس في افتراض وجود شبكة شرق–غرب اليوم، وإنما في التساؤل عما إذا كانت الممرات التي يجري بناؤها حالياً — من الأطلسي إلى لامو — يمكن، بعد عقود من التطور والتكامل، أن تصبح أجزاءً من منظومة قارية أفريقية أكثر ترابطاً
“من السيطرة على المجال إلى القدرة على ربط المجال”
