المغربية المستقلة : بقلم سيداتي بيدا
ثمة مفارقة مؤلمة تستحق التوقف عندها
أن يتحول الدين، الذي جاء ليهذب الإنسان ويكسر غروره، إلى غطاء لغرور جديد؛ وأن يصبح بعض الناس أكثر قسوة كلما أكثروا من الحديث عن التقوى، وأكثر احتقاراً للآخرين كلما بالغوا في إظهار صلاحهم.
المشكلة ليست في التدين، بل في التدين حين يتحول إلى استعلاء.
وليست في المظهر الديني، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها المظهر جواز مرور إلى محاكمة الناس، وفرزهم إلى “صالحين” و”هالكين”، وكأن مفاتيح القلوب قد وُضعت في جيوب بعض البشر.
هنا تبدأ الكارثة.
هناك من يتعامل مع تدينه باعتباره شهادة تفوق أخلاقي، فيرى نفسه أكثر نقاءً، وأشد التزاماً، وأقرب إلى الله من الآخرين.
فإذا اختلف معه أحد، لم يناقش فكرته، بل طعن في دينه وأخلاقه ونيته. وإذا أخطأ غيره، أقام عليه محكمة أخلاقية كاملة، بينما يبحث لنفسه عن ألف مبرر.
وهذا النوع من التدين أخطر مما يبدو؛ لأنه لا يكتفي بإخفاء العيوب، بل يمنح صاحبها شعوراً زائفاً بأنه محصّن ضد النقد والمراجعة.
والأشد إثارة للقلق أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم وقعوا في الفخ نفسه الذي يحذر منه الخطاب الديني فخ الكِبر.
إن إبليس، في القصة القرآنية، لم يكن منكراً لوجود الله، ولم تكن مشكلته جهلاً بالخالق؛ بل كان جوهر سقوطه هو الاستعلاء.
رأى نفسه أفضل، فرفض الامتثال. وهنا تكمن واحدة من أعمق الدلالات الأخلاقية
قد يعرف الإنسان الحق، ويتحدث عنه، ويجادل من أجله، ثم يهزمه غروره عندما يتعلق الأمر بنفسه.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مرة تتحدث عن الدين؟ ولا كم مظهراً دينياً تحمل؟ بل: ماذا فعل الدين بأخلاقك؟
هل جعلك أكثر تواضعاً؟
أكثر رحمة؟
أكثر إنصافاً لمن يخالفك؟
أكثر قدرة على الاعتراف بخطئتك؟
أم جعلك سريعاً في اتهام الناس، قاسياً في الحكم عليهم، مقتنعاً بأنك وحدك تمتلك الحقيقة؟
الدين الذي يزيد صاحبه تواضعاً هو دين يسكن السلوك،
أما الدين الذي يزيد صاحبه غروراً واحتقاراً للخلق، فقد يتحول إلى مجرد قناع اجتماعي.
ليس أخطر على الإنسان أن يجهل عيوبه فحسب، بل أن يظن أن تدينه يمنعه من امتلاكها.
فلا أحد يملك حق توزيع صكوك النجاة، ولا أحد يستطيع اختراق القلوب ليحكم على نيات أصحابها.
الله يحاسب على السرائر، أما البشر فعليهم أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن ينصّبوا أنفسهم قضاة على الآخرين.
وفي ميزان الأخلاق، قد يكون أكثر الناس قرباً من الصواب هو ذلك الذي يعرف حجم جهله، ويخشى غروره، ويترك للآخرين كرامتهم
أما من رأى نفسه فوق الجميع، فقد بدأ سقوطه يوم صدّق أنه لا يمكن أن يسقط.
