لهذه الأسباب…جهات معادية أزعجها دخول snrt في رأسمال TV5MONDE

المغربية المستقلة  : توفيق ناديري

لا يمكن أن نحارب التضليل الإعلامي الذي يستهدف المغرب بالتضليل، ولا أن نواجه الذباب الإلكتروني بذباب إلكتروني مضاد. فالمواجهة الحقيقية لا تُحسم بالضجيج، وإنما بإعلام مهني، سريع، موثوق ومتعدد اللغات؛ إعلام حاضر في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث، وقادر على مخاطبة المواطن المغربي والرأي العام الدولي في آن واحد.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الاستثمار في المؤسسات والمنصات الإعلامية الدولية، فإذا كان الآخرون يستثمرون في المنابر التي تصل إلى العالم، فلماذا لا يفعل المغرب الشيء نفسه؟ وإذا كانت دول كبرى تعتبر القوة الناعمة امتداداً طبيعياً لسياستها الخارجية، فلماذا لا يطور المغرب قوته الناعمة بما يتناسب مع موقعه الجيوسياسي، وامتداده الإفريقي، وطموحه الدولي؟، لهذا، فإن دخول المغرب عبر الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى رأسمال TV5 Monde لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية المخاوف التي قد يعبّر عنها بعض صحافيي القناة وفق ما روج له مقال blast، ولا من زاوية التخوف من احتمال تأثير أي مساهم في الخط التحريري كما ادعى كاتب المقال ذاته.
فالرهان الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، إنه رهان على الحضور المغربي داخل فضاء إعلامي دولي مؤثر، وعلى امتلاك موقع داخل المؤسسات التي تساهم في تشكيل الصورة التي يتلقاها العالم عن المغرب.
فإذا كان المغرب يريد أن يكون قوة إقليمية صاعدة، وأن يعزز حضوره الإفريقي، وأن يدافع عن مصالحه وقضاياه، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وأن يشرح نموذجه الاقتصادي والسياسي والثقافي للعالم، فلا يمكنه أن يترك المجال الإعلامي الدولي للآخرين، لكن هذا الحضور يجب أن يكون ذكياً وناضجاً، والمغرب لا يحتاج إلى قناة تمدحه كل صباح، ولا إلى إعلام يكرر روايته دون مساءلة، ما يحتاجه هو إعلام دولي يستطيع أن يُسمع روايته، ويستضيف خصومه كما يستضيف مؤيديه، ويعرض الوقائع كما هي، ويترك للمهنية والموضوعية مهمة إظهار قوة الموقف المغربي. فالدفاع الحقيقي عن صورة المغرب لا يكون بمنع الأسئلة، وإنما بالقدرة على الإجابة عنها.
ولأن الحديث عن السيادة الإعلامية قد يثير لدى البعض مخاوف من العودة إلى زمن الإعلام المغلق، فإن المعنى ينبغي أن يكون عكس ذلك تماماً.
السيادة الإعلامية التي يحتاجها المغرب اليوم ليست إغلاق النوافذ أمام العالم، بل فتح المزيد من النوافذ التي يطل منها المغرب على العالم؛ التحرر من التبعية، وتجفيف منابع التضليل، ومنع تحويل الأكاذيب إلى صناعة منظمة، ومواجهة الروايات المختلقة بالمعلومة الدقيقة والصورة المقنعة والتحقيق المهني، وهذا لا يتحقق بمؤسسة واحدة، مهما كان حجمها، وإنما بمنظومة متكاملة، إعلام عمومي قوي ومستقل، وإعلام خاص قادر على الاستثمار، ومؤسسات إنتاج تنافسية، ومدارس تكوين حقيقية، ومراسلون محترفون، ومحتوى رقمي قادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة، ومنصات متعددة اللغات تخاطب العالم بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها من اللغات.
والمغرب الذي يتغير سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يحتاج، بالقدر نفسه، إلى أن يغير طريقة تفكيره في الإعلام. لم يعد السؤال: كيف نرد على من يهاجم المغرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية، كيف نجعل المغرب حاضراً في العالم بطريقة تجعل الآخرين يسمعون روايته من مصادرها، قبل أن تصل إليهم رواية خصومه؟
وهنا تبرز قيمة القطب الإعلامي العمومي الذي يجري الحديث عنه، بالتوازي مع تقوية القطاع الخاص وخلق بيئة تنافسية حقيقية لإعلام قادر على إنتاج الوثائقي الذي يكشف خصوصيات المغرب، وإنجاز التحقيق الذي يبرز بالدليل والبرهان عدالة قضاياه، وتطوير المنصات الرقمية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وبناء شبكة من المراسلين في إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وإنتاج محتوى يخاطب العالم بلغاته المختلفة، فالمعركة التي نواجهها اليوم ليست فقط معركة أخبار كاذبة، وإنما معركة ضد العقول المجوفة، والانطباعات الواهية، والذاكرة المخرومة، والصورة الباهتة التي قد تتشكل عن بلد كامل بسبب غياب روايته عن المشهد.
إن دخول المغرب إلى رأسمال TV5 Monde، إذا تم، يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة ينتقل فيها المغرب من الدفاع المتأخر عن صورته إلى بناء منظومة متكاملة من السيادة الإعلامية والقوة الناعمة. ومن حق المغرب أن يبحث عن موقعه داخل المؤسسات التي تساهم في صياغة صورة العالم عنه، وأن يستثمر في المنابر التي تصنع التأثير وتتجاوز الحدود، لكن التحدي الحقيقي هو أن يلتقي المساران: مغرب حاضر وقوي داخل الإعلام الدولي، وإعلام مستقل لا يفقد مهنيته بسبب حضور أي مساهم. فالقوة لا تُقاس بقدرة الإعلام على مدح الدولة، وإنما بقدرته على جعل العالم يفهمها، أما الجوار، الذي جعل من الإعلام والفضاء الرقمي ساحة مفتوحة ضد المغرب، فلا ينبغي أن تكون مواجهته بالانفعال أو بالضجيج المضاد. فالجواب الأقوى ليس أن نبني آلة دعاية مقابلة، وإنما أن نبني إعلاماً لا يستطيع أحد اختطاف روايته، لأن الحقيقة حين تُقدَّم باحتراف تصبح أقوى من الضجيج، والمعلومة حين تكون دقيقة تصبح أكثر مقاومة للتضليل من أي حملة إلكترونية، فالحدود التي تحميها الجغرافيا تحتاج اليوم إلى حدود تحميها المعلومة، والسيادة التي تحرسها المؤسسات تحتاج إلى إعلام يحرس صورتها في العالم.
وقد يكون الاستثمار في TV5 Monde خطوة من خطوات هذا التحصين، لكن الخطوة الأكبر والأكثر إلحاحاً هي أن يبني المغرب إعلاماً وطنياً قوياً، مستقلاً ومهنياً ومهيكلا داخل نسق متكامل قادر على أن يكون درعاً للسيادة. فالمغرب الذي يريد أن يكون مؤثراً في العالم، عليه أولاً أن يمتلك القدرة على أن يروي قصته بنفسه، وبصوت مهني، وبأكثر من لغة، وبثقة لا تحتاج إلى صراخ.
ملخص القول إن الإعلام العمومي انتقل تدريجيا من الإصلاح والهيكلة والتخلص من تبعات المساهمات الدولية إلى مرحلة النضج و الاستثمار الناعم في منشآت سمعية بصرية دولية وإقليمية في انسجام تام مع التحولات الاستراتيجية التي تقودها الديبلوماسية الوطنية في تماه تام مع مختلف المؤسسات السيادية ،ما يفرض مقاربة مادية تتلاءم مع التحولات والوظائف الجديدة المنوطة بهذا الإعلام.

Loading...