المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
لم تعد الدعوات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي لاقتحام سبتة ومليلية المحتلتين مجرد عبارات عابرة في فضاء إلكتروني مفتوح؛ فقد تحولت إلى إنذار أمني يستدعي اليقظة، بعدما دخلت السلطات المغربية على خط التحذير من أي تحرك تحريضي قد يدفع بمواطنين، خصوصاً الشباب، نحو مواجهة مجهولة العواقب.
الرباط، برفعها مستوى الجاهزية الأمنية، تبعث برسالة لا تحتمل التأويل: الحدود ليست ساحة للمغامرات، وأمن المواطنين ليس مادة للاستعراض، والدولة لن تسمح بتحويل الغضب أو الحماس الوطني إلى فوضى ميدانية.
فالاقتحام، مهما حاول البعض تغليفه بالشعارات، ليس فعلاً احتجاجياً بريئاً. إنه سيناريو قد يجر وراءه مواجهات، وإصابات، واعتقالات، وربما مآسي إنسانية لا يمكن تداركها بعد فوات الأوان. والأكثر خطورة أن من يطلقون هذه الدعوات من خلف شاشاتهم لن يكونوا بالضرورة أول من يدفع الثمن عندما تتحول الكلمات إلى صدام حقيقي على الأرض.
هنا تحديداً تظهر خطورة التحريض الرقمي: منشور واحد قادر على إشعال موجة جماعية، وشعار عاطفي قادر على دفع مئات الأشخاص إلى اتخاذ قرار في دقائق، بينما تحتاج الدولة إلى أسابيع أو أشهر لمعالجة تداعياته الأمنية والسياسية والدبلوماسية.
القضية الوطنية لا تحتاج إلى فوضى حتى تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى أجساد الشباب لتصبح أكثر قوة. الدفاع عن الحقوق والمصالح الوطنية يمر عبر المؤسسات، والقانون، والدبلوماسية، والنفس الطويل، لا عبر مغامرات قد تمنح خصوم المغرب ذريعة مجانية لتصوير المنطقة باعتبارها بؤرة توتر مفتوحة.
والرسالة الأشد وضوحاً موجهة إلى أولئك الذين يتلاعبون بمشاعر الشباب: لا تجعلوا من أبناء الوطن وقوداً لمعارك لا تعرفون نهايتها. فمن السهل إطلاق الدعوات، لكن من الصعب جداً تحمل نتائجها عندما تنفلت الأمور من السيطرة.
إن رفع الجاهزية الأمنية ليس إعلاناً للحرب، بل إعلان عن يقظة الدولة واستعدادها لمنع السيناريو الأخطر قبل وقوعه. وفي الملفات الحساسة، تكون الوقاية أكثر حكمة من الندم.
سبتة ومليلية قضيتان راسختان في الذاكرة الوطنية المغربية، لكن الطريق إلى معالجة الملفات السيادية لا يمر عبر الاقتحام الأعمى ولا عبر استدراج الشباب إلى الحدود.
وفي مواجهة دعاة الفوضى، تبدو الرسالة المغربية صارمة وحاسمة: الوطنية مسؤولية، والحدود خط أحمر، ومن يعبث بأمن البلاد لن يجد أمامه فراغاً أمنياً، بل دولة يقظة تعرف متى تحذر، ومتى تردع، ومتى تتحرك.
