الوعي البيئي ودوره في مواجهة التصحر بالمغرب: مقاربة سوسيولوجية ودينية

المغربية المستقلة  : بقلم صفاء جمال

تُعد البيئة المجال الذي يمارس فيه الإنسان مختلف أنشطته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لذلك ظلت العلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة تأثير وتأثر عبر التاريخ. غير أن التطور الصناعي، والتوسع العمراني، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، أدى إلى ظهور اختلالات بيئية خطيرة، وفي مقدمتها ظاهرة التصحر – التي أصبحت تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي – في العديد من الدول، ومنها المغرب. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الآتي: ما المقصود بالوعي البيئي؟ وكيف يساهم في الحد من ظاهرة التصحر من منظور سوسيولوجي وديني؟ وما هي حدود المبادرات الميدانية بالمغرب؟

في بداية العرض، يجدر الوقوف عند مفهوم الوعي البيئي، إذ يرى عدد من الباحثين أنه يقوم على إدراك الإنسان للعلاقات البيئية، وفهم المشكلات التي تهددها، والوعي بأسبابها وآثارها، مع الاستعداد للمساهمة في معالجتها. وانطلاقا من هذا التصور، يتبين أن الوعي البيئي لا يقتصر على امتلاك المعرفة، بل يتجسد في سلوك حضاري يعكس الشعور بالمسؤولية، ويترجَم إلى ممارسات واعية، تساهم في حماية البيئة والحفاظ على توازنها واستدامة مواردها.

ومن جهة أخرى، لا يمكن من المنظور السوسيولوجي، تفسير التصحر بعامل طبيعي فقط، لأن المجتمع نفسه، يساهم في إنتاج هذه الظاهرة من خلال أنماط الاستهلاك، والرعي الجائر، والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وإزالة الغابات، وضعف الثقافة البيئية. وبالتالي، فالبيئة ليست مجرد إطار طبيعي يعيش فيه الإنسان، وإنما هي مجال تتفاعل فيه العوامل الطبيعية مع السلوكات الاجتماعية والاقتصادية. ومن ثم، فإن ترسيخ ثقافة بيئية قائمة على المسؤولية الجماعية والمواطنة البيئية – يعد مدخلا أساسيا لمواجهة التصحر وتحقيق التنمية المستدامة-. كما أن المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، تضطلع بأدوار محورية في غرس قيم المحافظة على البيئة وترسيخ السلوك البيئي الإيجابي.

أما على مستوى الواقع المغربي، يتجلى التصحر، خاصة بالمناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية، نتيجة تداخل عوامل طبيعية، مثل توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مع عوامل بشرية، كالرعي الجائر، والاستغلال غير الرشيد للموارد المائية، وقطع الأشجار، والتوسع غير المنظم لبعض الأنشطة الفلاحية. وقد ترتب عن ذلك تدهور الأراضي الزراعية، وتراجع الغطاء النباتي، وتهديد الواحات، وارتفاع معدلات الهجرة القروية، واتساع مظاهر الهشاشة الاجتماعية، مما يؤكد أن المشكلات البيئية لا تنفصل عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

ومن الناحية الدينية، جعل الإسلام حماية البيئة جزءا من مسؤولية الإنسان في عمارة الأرض، قال تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [الأعراف: 56]، وقال سبحانه: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود: 61]، أي كلفكم بعمارتها والمحافظة عليها. وفي السياق نفسه، قال رسول الله ﷺ: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفيعل». كما نهى الإسلام عن الإسراف، فقال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: 31]. وتؤكد هذه النصوص أن المحافظة على البيئة، هي واجب قانوني من جهة، ومسؤولية دينية وأخلاقية تعكس قيم الاستخلاف والإعمار من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، عمل المغرب على مواجهة التصحر من خلال برامج إعادة التشجير، والمحافظة على الواحات، وتوسيع استخدام تقنيات الري بالتنقيط، وتشجيع الطاقات المتجددة، واعتماد استراتيجيات للتكيف مع التغيرات المناخية، إلى جانب إشراك المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية في نشر الثقافة البيئية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود، يظل رهينا بترسيخ وعي بيئي، يجعل المواطن شريكا فاعلا في حماية البيئة، وليس مجرد مستفيد من مواردها.

وخلاصة القول، يتضح أن الوعي البيئي، هو مفهوم نظري، وممارسة حضارية، تجمع بين المعرفة العلمية، والقيم الأخلاقية، والمسؤولية الاجتماعية. وعليه، فإن مواجهة التصحر، تقتضي تكامل السياسات العمومية مع التربية البيئية، واستحضار القيم الدينية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، حتى يتحقق التوازن بين الإنسان وبيئته، وتُصان الموارد الطبيعية لفائدة الأجيال الحاضرة والقادمة.

المراجع المعتمدة:

القرآن الكريم.

-مقدمة في علم الاجتماع من مختلف الكتب والمقالات.

التمييز: نقد اجتماعي للحكم (في فهم أثر الثقافة والممارسات الاجتماعية).

– الأمم المتحدة، أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف 13 (العمل المناخي) والهدف 15 (الحياة في البر).

– برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تقارير حول التوعية البيئية والتنمية المستدامة.

– الوكالة الوطنية للمياه والغابات، تقارير حول التشجير وحماية النظم البيئية.

 

Loading...