المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
تحولت الأزمة المرتبطة بالنائبتين الموريتانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور إلى اختبار حقيقي لمدى احترام المؤسسات الدستورية في موريتانيا، بعدما انتهى اعتصامهما داخل مبنى البرلمان بتدخل أمني أثار موجة واسعة من الجدل السياسي والحقوقي، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات صعبة حول استقلال المؤسسات وحدود تدخل السلطة التنفيذية في نزاعات ذات طبيعة دستورية.
وبدأت الأزمة عقب دخول النائبتين إلى مقر البرلمان وإعلانهما اعتصاماً مفتوحاً احتجاجاً على منعهما من ممارسة مهامهما البرلمانية، رغم صدور قرار عن المجلس الدستوري أكد عدم إمكانية إعلان شغور مقعديهما في هذه المرحلة، باعتبار أن الحكم القضائي الصادر بحقهما لا يزال خاضعاً للطعن أمام المحكمة العليا، وهو ما يجعل إسقاط صفتهما البرلمانية غير مستند إلى سند قانوني نهائي.
وتصاعدت حدة التوتر مع فرض طوق أمني مكثف حول مبنى البرلمان وإغلاق المنافذ المؤدية إليه، قبل أن تتدخل قوة خاصة من الحرس الموريتاني فجر الجمعة لإنهاء الاعتصام وإخراج النائبتين بالقوة من داخل المؤسسة التشريعية.
وأكدت النائبة قامو عاشور، عقب إخراجها من البرلمان، أن القوة المستخدمة كانت مفرطة، مشيرة إلى أن عناصر نسائية من الحرس استعانت بوسائل عنيفة لإخراجها، معتبرة أن ما تعرضت له يشكل انتهاكاً لحرمة البرلمان ولمكانة النائب المنتخب، ويمثل سابقة سياسية وقانونية تثير القلق.
وفي المقابل، دافعت الحكومة عن موقفها، حيث أوضح الناطق الرسمي باسمها، محمد ماء العينين ولد أييه، أن القضية تدخل حصراً ضمن اختصاص القضاء والسلطة التشريعية والمجلس الدستوري، مؤكداً أن الحكومة ليست طرفاً في الملف، وأن المؤسسات المعنية ستتعامل معه وفق صلاحياتها القانونية واستقلاليتها.
غير أن هذا التبرير لم يخفف من الانتقادات التي صدرت عن عدد من البرلمانيين والمعارضين، إذ اعتبر النائب يحيى ولد اللود أن ما جرى داخل البرلمان يمثل مشهداً غير مسبوق، متهماً الجهات المسؤولة بمنع النائبتين من الحصول على الماء والطعام والدواء، وبالسماح بتهديدهما داخل مؤسسة يفترض أن تكون الحصن الأول لحماية الدستور والرقابة على السلطة.
وتزداد حساسية هذه القضية بالنظر إلى أن النائبتين سبق أن استفادتا من عفو رئاسي أسقط ما تبقى من العقوبة السجنية الصادرة بحقهما في قضية تتعلق بإهانة رئيس الجمهورية والتحريض على العنف والمساس بالوحدة الوطنية، إلا أن الجدل القانوني بشأن وضعيتهما البرلمانية ظل قائماً، إلى أن تدخل المجلس الدستوري لترسيم موقفه.
وتكشف هذه التطورات أن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على فرض الأمر الواقع بل بمدى احترامها لاحكام الدستور وقرارات الهيئات القضائية
فحين يصبح البرلمان نفسه ساحة المواجهة الأمنية فان الأزمة تتجاوز خلافا قانونيا عابرة لتتحول الى إختبار حقيقي المصداقية التجربة الديمقراطية ومدى قدر الدولة على إدارة نزاعاتها السياسية عبر القانون ، لا عبر القوة.
