عندما ينتصر العلم على الزمن شيخ السمارة يكتب فصلاً جديداً في مجد المعرفة

المغربية المستقلة : سيداتي بيدا

ليست كل شهادات الدكتوراه مجرد لقب أكاديمي يضاف إلى الاسم، فبعضها يتحول إلى رسالة مجتمعية تؤكد أن العلم لا يعترف بالعمر، ولا يفتح أبوابه إلا لمن امتلك الصبر، والإرادة، والإخلاص للمعرفة. ومن قلب مدينة السمارة، سطر الشيخ والإمام والخطيب الدكتور سيدي محمد علي بابوزيد واحدة من تلك الرسائل الملهمة، بعدما نال شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية بميزة “مشرف جدًا”، عقب مناقشة أطروحته بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش.
وجاء هذا التتويج العلمي ثمرة سنوات من البحث والتدقيق، من خلال أطروحة حملت عنوان “الخروج عن المذهب: دواعيه، ضوابطه العلمية، وتطبيقاته المعاصرة”، وهو موضوع بالغ الدقة يلامس أحد أكثر أبواب الفقه الإسلامي حساسية، ويستدعي قدرة علمية رفيعة على الموازنة بين ثوابت التأصيل ومتطلبات الاجتهاد الرشيد في القضايا المعاصرة.
وأمام لجنة علمية وازنة، قدم الباحث قراءة أكاديمية اتسمت بسلامة المنهج، وقوة الاستدلال، وعمق التحليل، في أداء عكس خبرة علمية راكمها عبر سنوات من الإمامة والخطابة والتوجيه الديني، لينتهي النقاش بإجماع اللجنة على منح الأطروحة أعلى تقدير، في اعتراف صريح بقيمتها العلمية وإسهامها في إثراء الدراسات الإسلامية.
غير أن الحدث يتجاوز حدود الجامعة؛ فهو انتصار لفكرة راسخة مفادها أن الأمم التي تكرم علماءها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. فبين محراب المسجد ومدرج الجامعة، أثبت الدكتور سيدي محمد علي بابوزيد أن الدعوة الصادقة لا تنفصل عن البحث العلمي، وأن الإمام الحقيقي لا يكتفي بإلقاء الموعظة، بل يسهم في إنتاج المعرفة وترسيخ ثقافة الاجتهاد المسؤول.
وكان المشهد أكثر رمزية حين اختار الباحث ارتداء اللباس الصحراوي الأصيل خلال المناقشة، في رسالة حضارية تؤكد أن الهوية الثقافية ليست عبئًا على التميز الأكاديمي، بل رافدًا له، وأن الاعتزاز بالأصول لا يتعارض مع الانفتاح على فضاءات البحث والابتكار.

ويمثل هذا الإنجاز إضافة نوعية إلى الرصيد العلمي لمدينة السمارة، التي تزخر بكفاءات قادرة على المنافسة والإبداع متى توفرت لها بيئة العلم والتقدير. كما يقدم نموذجًا عمليًا للشباب بأن التفوق لا تصنعه الظروف، وإنما تصنعه الإرادة، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من علم نافع وأثر باقٍ.
إن تتويج الدكتور سيدي محمد علي بابوزيد ليس احتفاءً بشخصه فقط، بل هو احتفاء بانتصار المعرفة على الزمن، وبقيمة العالم الذي يجعل من العلم رسالة، ومن البحث مسؤولية، ومن خدمة الوطن والدين مسارًا لا ينتهي.

Loading...