المغربية المستقلة : بقلم العيرج ابراهيم ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
في كل الأمم الحية، تُقاس قيمة الأوطان بمدى وفائها لمن ضحوا من أجل بقائها. « فالشهداء ليسوا مجرد أسماء منقوشة على شواهد القبور”، بل هم الضمير الحي للأمة، والذاكرة التي تحفظ للأجيال معنى التضحية والانتماء. غير أن المتأمل في أوضاع العديد من أسر شهداء حرب الصحراء المغربية يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة: أبطال سقطوا دفاعاً عن وحدة الوطن، وأسر ما زالت تكابد التهميش والنسيان.
لقد خاض آلاف الجنود المغاربة، من مختلف الرتب والانتماءات، حرباً طويلة وشاقة دفاعاً عن الأرض والعرض والسيادة الوطنية، حيث امتزجت دماؤهم برمال الصحراء، وسقط منهم من سقط شهيداً وهو يحمل في قلبه يقيناً بأن الوطن لن ينسى أبناءه. لكن بعد مرور عقود على تلك التضحيات، يطرح سؤال مؤلم نفسه بإلحاح: هل أوفى الوطن حقاً بعهده تجاه شهدائه وأسرهم؟
إن كثيراً من أسر الشهداء لا تطالب بالامتيازات ولا بالرفاهية، بل تطالب فقط بالاعتراف والإنصاف والكرامة. تطالب بأن يُذكر أبناؤها في المناسبات الوطنية، وأن تُحفظ سيرهم في المناهج التعليمية، وأن تُمنح عائلاتهم ما يليق بحجم التضحيات التي قدموها. فكيف يُعقل أن تتحول بعض أسر من ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن إلى أسر تبحث عن أبسط حقوقها الإدارية والاجتماعية؟
المؤلم أكثر أن بعض المسؤولين، مدنيين وعسكريين، يتسابقون في الاحتفاء بالمناسبات الرسمية والخطب الرنانة التي تمجد قيم الوطنية والتضحية، بينما تغيب المبادرات الجادة والملموسة التي تترجم هذه الشعارات إلى أفعال. إن الوفاء للشهداء لا يكون بالورود الموسمية ولا بالكلمات المنمقة، بل بسياسات عمومية واضحة تحفظ كرامة ذويهم وتخلد ذكراهم في الوعي الجماعي للأمة.
إن شهداء حرب الصحراء لم يضحوا من أجل فئة أو جهة أو مؤسسة، بل ضحوا من أجل المغرب كله. ومن ثم فإن مسؤولية الوفاء لهم لا تقع على عاتق مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية للدولة والمجتمع والنخب السياسية والإعلامية والثقافية. فالأمم التي تنسى شهداءها تفرط في جزء من ذاكرتها، ومن يفرط في ذاكرته يفرط تدريجياً في مستقبله.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أصبح من الضروري فتح نقاش وطني صريح حول أوضاع أسر شهداء حرب الصحراء، وحول سبل رد الاعتبار لهم مادياً ومعنوياً. فلا يمكن أن نستمر في الحديث عن الوطنية بينما يشعر بعض أبناء الشهداء بأن آباءهم أصبحوا غرباء في وطنٍ دافعوا عنه حتى آخر قطرة من دمائهم.
إن تكريم الشهداء ليس منّة من أحد، بل هو دين في أعناق الجميع. وما دام هناك أبناء شهداء يشعرون بالغبن أو التهميش أو النسيان، فإن سؤال الوفاء سيظل مطروحاً، وستظل أرواح أولئك الأبطال تذكرنا بحقيقة مؤلمة: أن بعض الشهداء قد يصبحون غرباء في وطن ملؤه النكران والجفاء.
رحم الله شهداء الوطن، وأنصف أسرهم، وجعل الوفاء لهم فعلاً دائماً لا شعاراً عابراً.
