غزلان أسيف… رهان الإخراج الأمازيغي على رؤية نسائية واثقة في “كريمة ديستيس”

المغربية المستقلة :  متابعة مولاي عبد الله الجعفري

في سياق الحركية التي تعرفها الدراما الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة، يبرز اسم المخرجة المغربية غزلان أسيف كأحد الأسماء التي راهنت على التدرج المهني والعمل المتواصل لبناء تجربة إخراجية قائمة على الانضباط والدقة. ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تستعد قناة تمازيغت لعرض مسلسل “كريمة ديستيس”، الذي يحمل توقيعها الإخراجي، في عمل يُنتظر أن يشكل إضافة نوعية إلى شبكة الإنتاج الرمضاني.

غزلان أسيف تمثل نموذجاً للمرأة العصامية التي اختارت أن تشق طريقها في مجال يتطلب صبراً طويلاً ونفساً مهنياً عالياً. مسارها لم يُبنَ على الصدفة، بل على تراكم التجارب والانخراط العملي في تفاصيل الصناعة الدرامية، من فهم النص إلى إدارة الممثل، مروراً ببناء الرؤية البصرية وضبط إيقاع السرد. هذا الاشتغال المتكامل مكّنها من تطوير أسلوب خاص يوازن بين جمالية الصورة وعمق الحكاية.

في “كريمة ديستيس”، تراهن أسيف على سرد درامي متماسك، يُعلي من قيمة الأداء ويمنح التفاصيل اليومية بعدها الإنساني. وتُعرف المخرجة بدقتها في ملاحظة الجزئيات الصغيرة التي تصنع الفارق على الشاشة؛ فهي تشتغل على الإضاءة والفضاء وحركة الكاميرا باعتبارها عناصر دلالية، لا مجرد أدوات تقنية. هذه المقاربة تمنح أعمالها طابعاً هادئاً في إيقاعه، عميقاً في رسائله، ومتزناً في معالجته.

ويؤكد عدد من المهنيين الذين اشتغلوا معها أن من أبرز نقاط قوتها قدرتها على الإصغاء الجيد للممثلين وطاقم العمل، وإدارة مواقع التصوير بروح تشاركية تحترم اختصاص كل فرد. هدوؤها في الطبع لا ينفصل عن حزم مهني واضح، يجعلها قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، مع الحفاظ على مناخ عمل تسوده الثقة والاحترام المتبادل. وهي خصال باتت ضرورية في بيئة إنتاجية تتطلب السرعة دون التفريط في الجودة.

حضور غزلان أسيف في المشهد الدرامي الأمازيغي يعكس أيضاً التحول الذي تعرفه الساحة الفنية، حيث باتت المرأة المخرجة فاعلاً أساسياً في صياغة الصورة وبناء الخطاب البصري. من خلال أعمالها، تساهم أسيف في ترسيخ رؤية معاصرة تحترم الخصوصية الثقافية وتمنحها بعداً إنسانياً قابلاً للتفاعل مع جمهور واسع.

ومع حلول شهر رمضان، الذي يشكل محطة مفصلية في الموسم التلفزيوني، يُرتقب أن يحظى “كريمة ديستيس” بمتابعة لافتة، ليس فقط لرهاناته الدرامية، بل أيضاً لكونه يحمل توقيع مخرجة راكمت تجربة قائمة على الجدية والاحتراف. إنها تجربة تؤكد أن الإبداع لا يرتبط بالصخب، بل بالعمل الهادئ المتقن، وبالإيمان بأن الصورة مسؤولية قبل أن تكون مجرد عرض فني.

بهذا المعنى، تمضي غزلان أسيف في مسارها بثبات، مساهمةً في تعزيز مكانة الدراما الأمازيغية، ومقدمةً نموذجاً لقيادة إخراجية نسائية تجمع بين الرؤية الفنية المتبصرة والأخلاق المهنية الرفيعة.

Loading...