تسجيلات مسيئة لنساء الريف.. بين خطاب الكراهية وشبهة استغلال النفوذ

المغربية المستقلة  : بقلم حسن مقرز بروكسيل .

بداية القصة: تسجيل يهز الرأي العام

انتشر خلال الأيام الأخيرة تسجيل صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي، منسوب إلى شخص مقيم ببلجيكا و يتحدث بلهجة مغربية وبسخرية ، أطلق فيه عبارات قدحية بحق نساء منطقة الريف، متهماً إياهن بالفساد، وساخراً من أزواجهن المقيمين في أوروبا بالقول إنهم يعيشون بالمساعدات الاجتماعية فيما “هو يتمتع بنسائهم وبناتهم”.
التسجيل أثار عاصفة من الغضب، سرعان ما تحولت إلى نقاش واسع حول حدود حرية التعبير، وواجب القانون في حماية الكرامة الإنسانية.

ليس الأول من نوعه

مصادر مطلعة أكدت أن التسجيل المتداول ليس معزولاً، بل هناك عدة أوديوهات سابقة للشخص ذاته، تفاخر فيها بكونه “ضابطاً كبيراً في جهاز أمني” وأن شقيقته “قاضية”، مهدداً كل من ينتقده بالسجن.
هذه الادعاءات أثارت مخاوف من محاولة استغلال النفوذ المزعوم لبث الرعب في نفوس المستمعين، وهو ما يضرب في العمق ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية والقضائية.

الجانب القانوني: الأفعال المجرَّمة

خبراء قانونيون أوضحوا أن ما ورد في هذه التسجيلات يمكن تكييفه في أكثر من اتجاه:

1. القذف والسب العلني:

الفصل 442 من القانون الجنائي يعاقب القذف في حق الأفراد بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية.

الفصل 444 يضاعف العقوبة إذا كان القذف موجهاً ضد مجموعة من الأشخاص ينتمون إلى منطقة أو أصل معين.

2. خطاب الكراهية والتمييز:

المادة 1-431 من القانون الجنائي تجرّم التحريض على الكراهية أو التمييز على أساس الجنس أو الأصل أو الانتماء الجغرافي.

3. استغلال النفوذ الحقيقي أو المزعوم:

الفصل 250 من القانون الجنائي يعاقب بالسجن والغرامة كل من استغل نفوذه، أو نفوذاً مزعوماً، للحصول على منفعة أو للتهديد بإلحاق ضرر بالغير.

ردود الفعل: غضب واستنكار

جمعيات نسائية وهيئات حقوقية في الداخل والخارج عبرت عن استنكارها الشديد، واعتبرت أن هذه التسجيلات لا تمس فقط كرامة نساء الريف بل تسيء إلى صورة المرأة المغربية بشكل عام.
نشطاء على مواقع التواصل دعوا النيابة العامة إلى التحرك العاجل، معتبرين أن التساهل مع مثل هذه التصريحات قد يشجع على انتشار خطاب الكراهية والتحقير الجماعي.

امتحان للدولة أمام هذا الانفلات

التسجيلات ليست مجرد ألفاظ مسيئة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض القانون وحماية سمعة مواطنيها. فالتعامل الصارم مع هذه الأفعال سيبعث برسالة واضحة مفادها أن كرامة المغاربة فوق أي اعتبار، وأن لا أحد يمكنه أن يحتمي بادعاءات النفوذ أو الانتماء للمؤسسات من أجل الإساءة للغير.
أما التغاضي عن الأمر، فيراه مراقبون بمثابة فتح الباب أمام انفلات خطير قد يهدد السلم الاجتماعي، ويضرب الثقة في مؤسسات الدولة، خصوصاً إذا ظل المواطنون يعتقدون أن هناك من يضع نفسه فوق المساءلة والمحاسبة.

أبعاد اجتماعية وسياسية

التسجيلات المسربة تأتي في سياق حساس، حيث ما يزال أبناء الريف يعيشون على وقع نقاشات مرتبطة بالهوية والانتماء، وبالمكانة التي تحتلها المنطقة داخل المشهد الوطني. أي خطاب مسيء للنساء أو العائلات هناك يُستقبل بحدة مضاعفة، ويُعتبر تعدياً على تاريخ من النضال والصبر والكرامة.

كما أن ادعاءات “النفوذ الأمني والقضائي” تمثل خطراً أكبر، إذ توحي بأن هناك من يضع نفسه فوق القانون، وهو ما يتناقض مع مبدأ المساواة أمام العدالة الذي يكفله الدستور المغربي.

الخلاصة: متى ستتحرك النيابة العامة؟

القضية لم تعد مجرد تسجيلات مسيئة أو ألفاظ نابية، بل تحولت إلى ملف عام يمس كرامة نساء الريف ويختبر جدية الدولة في حماية مواطنيها.
التساؤل الأكبر اليوم: متى ستتحرك النيابة العامة لتحديد المسؤوليات ومساءلة المتورطين؟ وهل ستطبق العقوبات المنصوص عليها في القانون لضمان الردع وحماية سمعة المواطنين؟
غياب أي تحرك قضائي سريع قد يُفسَّر على أنه تقاعس أمام خطاب الكراهية واستغلال النفوذ المزعوم، وهو ما قد يزيد الاحتقان الاجتماعي ويضع مؤسسات الدولة أمام امتحان ثقة حقيقي.

Loading...