المغربية المستقلة : للكاتب أيوب نصر
في بدايات هذه السنة، بل وفي أول يوم من أيامها، خرجت على القراء بمقال في “مركز الدراسات العربية الأوراسية” عنوانه: “العلاقات الروسية الإيرانية.. شراكة طويلة أم تقارب مرحلي؟” ذهبت فيه إلى أن التقارب الحاصل بين روسيا وإيران إنما هو تقارب مرحلي فرضته الضرورة المحوجة، وقد قدمت ساعتها بين يدي مقالي ذاك الأدلة التي حملتني على هذا الرأي وأخذ هذا المسلك، فارجع إلى المقال إن شئت الإطلاع عليه، ثم مرت الأيام وتوالت الشهور، وجاء الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان، ودفع إلينا بتصريحات متوالية، يتغزل فيها بالولايات المتحدة ويخفض فيها مستوى التقارب مع روسيا، فكان ذلك تصديقا لما جاء في تقديري للتقارب الروسي الإيراني المنشور قبل أشهر.
وكان أول ما افتض به الرئيس الإيراني بكرة تصريحاته أنه وصف العلاقة التي تربط بلاده بالولايات المتحدة الأمريكية بأنها علاقة أخوة، فقال: “لا نعادي أمريكا ونحن إخوة وإذا التزمت واشنطن بحقوقنا فلن يكون لدينا خلاف”، وفي كلمته التي ألقاها أمام الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 24 ديسمبر قال: “طهران مستعدة لإنهاء الأزمة النووية مع الغرب”، كما دعا: ” إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا عبر الحوار”.
وهذا يقوي ما ذهبت إليه من أن تقوية وتقارب العلاقات الروسية الإيرانية إنما فرضته الضرورة المحوجة، وأنه كان تقاربا مرحليا لا شراكة استراتيجية، كما إدعى البعض، فإيران إنما استغلت الحرب الروسية الأوكرانية للضغط على الغرب قصد أخذ مكاسب أكبر تمكنها من لعب أدوار أهم في منطقة الشرق الأوسط.
وقد تم الترويج في الأيام الماضية إلى أن الرئيس الإيراني إنما يتعامل بسذاجة وأمية سياسية ويفتقد الحنكة في التعامل مع مثل هذه التصريحات، مما يوهم معه أن ما قاله إنما قاله من ذات نفسه، ولا يعبر بحال من الأحوال عن توجه الدولة الإيرانية.
ولو كان الأمر على هذا النحو، وكان الرئيس الإيراني يتكلم بغير ما يدري ويهرف بما لا يعرف، ويسير بعيدا عن رغبات المرشد الأعلى والحرس الثوري، فلماذا لم يسابق المرشد إلى الإستدراك على تصريحات الرئيس، كما فعل حين صرح، بزشكيان، لشبكة ” سي إن إن” بتصريحات تفيد أن إيران رفعت يدها عن حزب الله وتركته يقاتل إسرائيل وحده وحيدا منفردا، فلو كان ما صرح به بزشكيان من تصريحات حول علاقة الأخوة التي تجمع الإيرانيين بالأمريكيين وتراجع موقف إيران من داعم لروسيا في صراعها إلى داعي إلى الحوار لحل الأزمة، مخالف للتوجه الخامنئي، لعقب على ذلك كما عقب على مسألة حزب الله، كما أنه لا يمكن في إيران ممارسة السياسة إلا تحت سيادة ولاية الفقيه، وبهذا فالرئاسة والحكومة، لا تزيد عن كونها مؤسسات لتنفيذ القرارات ومهام خاصة بالبروتوكول، وليس لها هامش كبير للمناورة.
ومن كل هذا وذاك فإن التصريحات التي صدرت عن الرئيس الإيراني لم تكن زلة كلامية أو سذاجة سياسية، بل صادرة عن توجيه من المؤسسات العليا في إيران، وهذا يعني بداية نهاية شهر العسل الروسي الإيراني، وابتعاد إيران عن القطب الشرقي ( روسيا والصين) والعودة إلى الحضن الغربي والأمريكي.
إيران تدرك من اليوم الأول أن اللاعب الأصيل والقوة العالمية الوحيدة المتواجدة بالمنطقة هي الولايات المتحدة، وأنها التي تفرق الملفات وتعطي الأدوار، وإيران لا تريد أن تفقد وضعها قديم في المنطقة باعتبارها ورقة ضغط على عدة جهات في المنطقة لصالح امريكا، ودخولها أي حرب سيفقدها هذا الامتياز، كما أن العمليات الاخيرة والمتوالية، مثل تفجير بيجر وتيلي ويلكي واغتيال قادة فيلق الرضوان، كل هذه الأحداث أظهرت اختراقها، وأنه في اي وقت يمكن الإطاحة بها، فطبيعي أن تصمت وتتراجع، كما أن روسيا والصين لا يملكان أن يقدما لها شيئا يعوضها عن الدور الذي تقدمه لها الولايات المتحدة في المنطقة، لأن تواجدهما في المنطقة ضعيف.
وهذا التغير له تأثير ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط بل حتى على الصراع العالمي الحاصل حاليا بين روسيا والغرب، فعلى مستوى الشرق الأوسط، فمباشرة بعد هذه التصريحات خرج وزير الخارجية الأمريكي يطلب من دول الخليج التوسط بين الولايات المتحدة وإيران، وفي هذا تلميح إلى بداية إعادة إيران إلى وضعها في الشرق الأوسط باعتبارها ورقة ضغط أمريكية وأحد موازين القوى في المنطقة، كما أنه سيبدأ العمل على العودة إلى الإتفاق النووي وهذا ما لا تريده بعض دول الخليج ولا ترغب فيه إسرائيل ايضا.
أما على المستوى العالمي والصراع الروسي الغربي، فتكون روسيا فقدت حليفا، ولو مرحليا، في المنطقة، وهذا الحليف الذي عاد إلى وضعه الطبيعي باعتباره ورقة ضغط لصالح أمريكا في المنطقة، سيعود لممارسة ضغوطه، ومن هذه الضغوط الدفع بالدول العربية إلى التخلي عن موقفها المحايد أو الداعم لروسيا.
وسبق وقلت في مقالات سابقة ودراسات نشرتها في بدايات الحرب الروسية الأوكرانية، أن الذي سينهي الصراع ويدفع به إلى طاولة المفاوضات هي الدول العربية وموقفها، وليس ساحة القتال.
وباحث مهتم بالشأن الأوراسي
Nasrayoub2@hotmail.com
