محمد أمداح يقدم قراءة في كتاب “تكركوست سكتانة ومحيطها”

المغربية المستقلة : محمد أمداح باحث في التاريخ الجهوي والتراث الثقافي بالجنوب المغربي

يسافر بنا هذ الكتاب المونوغرافي الى منطقة تالوين وبالضبط الى المحيط التاريخي لتكركوست أسكتان أي سكتانة ومحيطها التاريخي والجغرافي، لمؤلفه الباحث الاستاذ رشيد الحسين اليعقوبي الذي عشق هذه القرية التي صنفها حسب غلاف هذا الكتاب الى المغرب العميق.

والكتاب الذي أمامنا في طبعته الاولى صادر عن مطبعة دار السلام بالرباط بالمملكة المغربية من الحجم المتوسط باللغتين العربية والفرنسية، يقول المؤلف “…التأريخ لمجتمع القرية وثقافتها، أمر حديث على مجتمعنا لم تظهر أولى محاولاته الا بدخول الاستعمار الفرنسي، أما قبله فالكتابة ليست ممارسة في سلوكيات حملة العلم والمعرفة عندنا، حتى في المجال الذي يتخصصون فيه، ناهيك عن مجالات ثقافة الشعب التي ينظر اليها كمعرفة لا فائدة منها، لأنها خارج دائرة العلم الشرعي وما يرتبط به من علوم تخدم غاياته …”

والكتاب الذي بين أيدينا استهله المؤلف بمقدمة عامة يتحدث فيها عن السياق التاريخي والشغف العلمي اللذين كانا من وراء فكرة إصدار هذا المولود الثقافي بعد اصداره لمؤلف “وشم في الذاكرة”، وكتاب “الحيوان في الأمثال الشعبية”، وكتاب “زمن البسط والحكمة نماذج من أشعار الشعر الأمازيعي وكتاب “دفاتر” حول أسرته المتجدرة في تاريخ اسكتان وهي اسرة اليعقوبي.

وعرف من خلال هذا التقديم كذلك عن لمحة جغرافية للمجال الترابي لسكتانة وتاريخ زاوية تكركوست بتالوين اقليم تارودانت.

سافر بنا المؤلف عبر فصول تتضمن عدة مباحث ففي الفصل الأول تحدث عن تاريخ وطوبونيما منطقة تكركوست بسكتانة، التي تطل على مجال وادي زكموزن، الذي يعد أحد الرافدين لوادي سوس، والذي تحدث عنه الشاعر التاريخي المرحوم الحاج بلعيد من وجان بتزنيت المتوفى 1945م المنشورة بديوان الشاعر الامازيغي المغربي محمد مستاوي.
ومن خلال المبحث الأول تحدث المؤلف اليعقوبي رشيد الحسين اليعقوبي عن مؤشرات التواجد البشري القديم، وفي المبحث الثاني تحدث عن مواقع ومعالم أثرية قديمة حيث تعج منطقة زكموزن بكثير من المواقع والمعالم الأثرية القديمة كالمخازن الجماعية والكهوف، كحصن اكادير ياتوين المطل مباشرة على القرية وتاكاديرت نوميوس وأطلال ايمي نوغوليد، وأطلال زاوية تيدركي ومدرسة سيدي علي بن حسون، والاسواق التاريخية التي طبعت ذاكرة تالوين بوجه عام كسوق الاثنين الذي يستقطب جميع الساكنة التي تتركز في المجال الترابي لتالوين، وختم المؤلف الفصل الاول بمبحث عالج فيه الطوبونيما الأماكنية التي طبعت مجال اسكتان بصفة عامة، ومعززا هذا الفصل بصور تاريخية ثؤرخ لهذه الاماكن وبأشعار أمازيغية وعربية لشعراء تفتخر بهم المنطقة (صفحات 39و40).

اما الفصل الثاني فتطرق المؤلف فيه الى زاوية تكركوست من خلال الحديث عن لمحة تاريخية سريعة عن الشيخ الصوفي الكبير سيدي امحمد بن يعقوب مؤسس الزاوية، ودورها العلمي والاجتماعي وموسمها السنوي بامين تاتلت بني يعقوب، وهو من المواسم المشهورة على الصعيد الوطني.
ويتم اللجوء اليه عبر مسالك اغرم وتكموت أو من أولوز الى تاولوين مرورا عبر طريق أكادير ملول.
اما المبحث الثاني فتحدث المؤلف كذلك الى التعريف بمؤسسها العلامة المحدث سيدي محمد بن ابراهيم اليعقوبي الغني عن التعريف، ولقد سبق أن تم التعريف به من خلال كتاب طبقات الحضيكي في الجزء الثاني صفحة 366 .وهذا الكتاب حققه الاستاذ الباحث احمد بومزكو من تزنيت مشكورا سنة 2006 والصادر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدارالبيضاء، وتحدث في اخر هذا الفصل عن ماضي وحاضر المدرسة العتيقة بتكركوست وشيوخ زاوية ومدرستها العتيقة.

الفصل الثالث تحدث فيه عن المساهمات الأدبية لتكركوست والحركة الوطنية، من خلال الوقوف عن المساهمات الأدبية لشعراء المنطقة في النهضة الثقافية من خلال نادي الادباء كقصيدة مزجت بين المزايا السوسية والعربية “تارسموكت”من سجن تالوين للشاعر عبد الواحد بن الحسين الأزراري السكتاني (صفحة 71).
ليختم هذا المبحث بالوقوف عند زعماء الحركة الوطنية بالمنطقة ونخص بالذكر الفقيه القاضي الحاج اسماعيل رضى المتوفى سنة 1980م والمرحوم المناضل الحاج عمر المتوكل الساحلي، حيث كان لي الشرف في تقديم قراءة في كتاب”مذكرات حياتي “انظر جريدة المحرر، والمقاوم الفقية السيد الطيب القانت وهو مصدر مهم للكتابة التاريخية بتالوين.
القسم الثاني خصصه المؤلف للحديث عن المحيط السوسيواقتصادي والخصائص الثقافية التي ميزت منطقة قرية تكركوست باسكتان، مذكرا بالعوامل المساعدة على الاستقرار خصوصا الأسباب الطبيعية والخدماتية التي تلبي الحاجيات الأساسية للساكنة المحلية والأنشطة الأخرى. وخص الفصل الثاني بالحديث وباسهاب عن ما تزخر به منطقة تالوين من موروث ثقافي مادي وغير مادي كموسم الرما، وطقوس الاستمطار، ودور العاب اكونتارن، والعاب اهياضن سيدي احماد اوموسى، وفنون أحواش من المنطقة. ومن تلك التي تزور المنطقة كاحواش تاغلامت، وأيت ماعلا قرب تافنكولت. وطقس “المعروف” وهو مؤسسة اجتماعية ذات تقاليد تليدة، وطقس تويزي وتويسي الاجتماعي التضامني يؤسس لثقافة التماسك الإجتماعي التي هي ضرورية خصوصا وقت الازمات.
واختتم بالحديث عن دور تالوين في خلق التماسك الاجتماعي من خلال تواجد الطائفة اليهودية المغربية بمنطقة “اغيل نوغو” التي توجد بها كذلك مدرسة عتيقة يتخرج منها الطلبة البارعين في التعليم خاصة التعليم العتيق.
وكما أثار المؤلف الذي أغنى هذا الكتاب بصور تاريخية تؤرخ لتاريخ قرية تكركوست وزاويتها التابعتين لاسكتان “سكتانة” بتالوين دون إغفال الفهرس العام لمختلف مضامين هذا الكتاب التاريخي والاجتماعي الممتع، وبفصل خاص باللغة الفرنسيةعن المنطقة موضوع هذالكتاب.

نختتم بوثيقة تاريخية مقتطفة من كتاب الدكتور خالد طحطح في كتابه “التاريخ مابعد الكولونيالية “.يقول “…كيف نجعل الماضي قريبا من الفهم بل ومعيشا؟ لايتم ذلك الا من استحضار واستعادة الأماكن الغابرة والشخصيات المشهورة، وكذا المغمورة، وتذكير الأجيال الحالية بتاريخها المحلي “وفي وثيقة أخرى للدكتور خالد طحطح مقتطفة من نفس الكتاب “أننا أمام كتابة جديدة تهتم باحياء ذاكرة المكان، وهي كتابة حديثة توسم بكتابة أماكن الذاكرة ….لاننا نحيا اليوم، حسب المؤرخ الفرنسي فرانسوا …” دوس ، عصر ذاكرة
“،un objet devient lieu de mémoire quand il échappe à l’oublie “historien f:pierre nora:les lieux de mémoire.

Loading...