تقديم سلسلة الصحفي عبد الكبير المامون التي تستحق القراءة والانصات : حين ينهك المرض الجسد ويضاعف الخذلان آلام الروح
المغربية المستقلة : بقلم : بوشعيب حمراوي
ليس سهلاً أن يتحول الصحفي، الذي قضى سنوات من عمره يكتب عن آلام الآخرين، وينقل معاناتهم، ويدافع عن قضاياهم، إلى موضوع لحكاية موجعة، يكون هو بطلها وضحيتها، ويجد نفسه هذه المرة في حاجة إلى من ينقل صوته، ويكشف معاناته، ويقف إلى جانبه.
هكذا نواصل، عبر موقع «بديل بريس»، نشر حلقات السلسلة الإنسانية المؤثرة التي يروي فيها الصحفي عبد الكبير المامون تفاصيل معركته القاسية مع مرض تشمع الكبد، وما رافقها من غيبوبات متكررة، ومعاناة جسدية ونفسية ومادية، جعلته يعيش بين الحياة والموت، وبين الأمل في الشفاء والخوف من النهاية.
إنها ليست مجرد يوميات مريض يصارع مرضاً خطيراً، بل شهادة إنسانية عن صحفي أعطى من وقته وجهده وصحته الكثير لمهنة المتاعب، قبل أن يجد نفسه في مواجهة امتحان عسير، لا يقتصر على قسوة المرض وتكاليف العلاج، وإنما يمتد إلى مرارة الخذلان والنكران، وإلى ذلك السؤال المؤلم: أين يذهب الوفاء عندما يحتاج إليه من أفنى سنوات من عمره في خدمة الكلمة والحقيقة والناس؟
فما أقسى أن يكتشف الإنسان، وهو على سرير المرض، أن بعض الذين كانوا قريبين منه في أيام العطاء غابوا عنه في أيام الانكسار، وأن سنوات التضحية لا تكفي دائماً لضمان الاعتراف والوفاء، وأن الصحفي الذي حمل هموم الآخرين قد يجد نفسه وحيداً أمام همومه.
ومع ذلك، فإن حكاية عبد الكبير المامون ليست حكاية خذلان فقط، بل هي أيضاً حكاية وفاء وصمود، تتجسد في زوجة وأبناء وأصدقاء وجيران وأطر طبية ظلوا إلى جانبه، وأثبتوا أن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار على قسوة المرض وبرودة النسيان.
إن نشر هذه السلسلة ليس استدراراً للعطف، ولا بحثاً عن شفقة عابرة، وإنما هو محاولة لإنصاف إنسان وصحفي، وتذكير بأن من حملوا أقلامهم للدفاع عن المجتمع يستحقون بدورهم الحماية والرعاية والاعتراف، خصوصاً عندما تتراجع صحتهم وتتقلص إمكاناتهم.
وهي أيضاً مناسبة لطرح سؤال أكبر يتعلق بمصير الصحفيين بعد سنوات العطاء: من يحميهم عندما يمرضون؟ ومن يصون كرامتهم عندما تتوقف أقلامهم قسراً؟ وأين مؤسسات المهنة وهيئاتها وصناديق التضامن من معاناة من خدموا الصحافة وأهلها؟
في هذه الحلقة الثالثة، يأخذنا عبد الكبير المامون إلى واحدة من أقسى محطات رحلته مع المرض، حين دخل في غيبوبات كبدية خطيرة، وفقد وعيه، ووجد نفسه داخل قسم الإنعاش، بينما كانت أسرته تعيش ساعات طويلة من الرعب والانتظار، بين احتمال الفقدان وأمل العودة إلى الحياة.
إنها شهادة تستحق أن تُقرأ بعقولنا وقلوبنا، لأن المرض قد يسلب الإنسان صحته، لكن الخذلان قد يضاعف أوجاعه، ولأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله للإنسان في أيام قوته، بل بما نقدمه له في لحظات ضعفه.
