المغربية المستقلة : بقلم منال بوشتاتي
الطفولة هي سماء الابتسامة المشرقة،ورمز للبراءة الطاهرة وعنوان للمحبة الصادقة .
من المفترض أن تكون ذكرى للسلم والسلام والبهجة،إلا أنها تعتبر لدى البعض ذكرى للجحيم .
للطفولة لغز عميق يتطلب تحليلا دقيقا،ذلك أن الطفل يعجز عن تفسير كل ما تخزنه ذائقته النفسية من مشاعر
بالنسبة لي،الطفل كائن ذكي يشاهد ويلاحظ ويسجل كل شيء،لكنه في نظر معظم العقلاء لا يفهم .
صحيح أن الطفل يفتقر إلى وعي الكبار بما يتسم به من نضج فكري وتحمل للمسؤولية،كما أن اختياراته للأشياء غالبا ما تكون متعارضة مع مصلحته،لكنه يدرك وجوده .
إذن هو كائن يفكر ويقرر ويحلم ويتمنى .
يريد ما يروقه وينفي ما لا يروقه،كما يعرف من يحسن إليه ومن يهينه .
هذه اللحظات المعاشة تشهد على وعي الطفل بوجوده،إذ تتحول تلك الأحداث الحية إلى ذكريات .
بناء على هذه المعطيات،ألاحظ أن ما يعيشه الطفل من لحظات جميلة وسيئة يتراكم في الذاكرة ليتحول إلى حياة نفسية لا واعية .
وهذا ما أوضحه فرويد؛عندما أشار إلى أن أفعالنا ليست كلها صادرة عن وعينا وإرادتنا الحرة،بل إن جزءا كبيرا منها يرجع إلى اللاشعور،أي إلى تلك الحياة النفسية اللاواعية التي ترتبط بتاريخ الفرد منذ طفولته المبكرة .
مثال ذلك نفسي المرحة التي فقدت عنوانها في ظل الرعب والأشباح،ومن ثم توالت أمامي أسئلة كثيرة عجزت عن تحليل أجوبتها .
امتدت تساؤلاتي إلى البحث عن نفسي في الخيال؛
كانت تلك هي بدايتي في عالم الرواية؛حينها كنت أجهل مصطلح الرواية والشعر،ولا أعرف الشعر ولا خصائص الرواية .
فالشيء الذي كنت أدركه هو الانطواء في عالمي الخاص، فأنسى من أنا ومن أكون وأين أنا ومتى بدأت حكايتي
فأحقق لنفسي ما أريد؛ فأعيش شخصية غير شخصيتي،أي الشخصية التي أحلم بها .
أكتب على جدار الهواء؛مسرحيات بشخصيات متنوعة .
لطالما حسبني الكثيرون مجنونة كوني أعبر بالإشارات،إلا أن نفسي كانت تشاهد عالما جميلا وشخصيات أحاورها وتحاورني في نفسي .
في تلك الأثناء،كنت بالكاد أتعلم القراءة والكتابة،لذلك لجأت إلى تعويض الورقة والقلم بالمسرح المنزلي .
كانت تعابير وجهي هي من تتحدث،وحركاتي السريعة هي من تساعدني على الغوص في خيالي،فأرى ما لا يراه غيري .
لذلك اعتبرني جل العقلاء مجرد طفلة مجنونة .
هناك رأي شائع في التحليل الفلسفي يمزج بين اللغة والكلام،ذلك الكلام الذي نوظفه في حياتنا اليومية لأهداف مختلفة .
في حين يعتبر الفيلسوف بنفنيست اللغة بمثابة نظام رمزي ذي وجهين : وجه مادي يتجلى في الدلائل المنطوقة أو المكتوبة،ووجه لامادي يتمثل في المدلولات .
واللغة بهذا المعنى تلعب دور الوسيط بين الإنسان والعالم .
وبناء على ذلك،إذا كانت اللغة من جهة فيزيائية حسب تعبيره،تستخدم الجهاز الصوتي لتظهر والجهاز السمعي لتدرك،فهي حسب تحليله قابلة للملاحظة والوصف والتسجيل على المستوى المادي .
وفي ظل ذلك عبرت عن مكنوناتي من جهة لامادية،أي عن طريق إيصال الأحداث بالإشارة إليها .
تلك هي اللغة في نظر بنفنيست،كيان ذو وجهين
وفي سياق آخر،يفصل الفيلسوف ديكارت بين اللغة والفكر على اعتبار أن الفكر ذو طبيعة روحية ويمثل الجوهر،وهو المسؤول عن وجود الأفكار .
أما اللغة فهي مجرد عرض لأنها من طبيعة مادية،وهي أداة للتعبير عن الأفكار فحسب .
في رأيي،ليس كل من يتميز بلغة متينة لديه أفكار واعية ومشرقة،وليس كل من لا يحسن قواعد اللغة عاجزا عن التعبير عن آرائه بأفكار بناءة؛إلا أن اللغة هي الوسيلة التي تنقل للمحيط الانطباعات الحسية والفكرية وبواسطتها يدون الإنسان أفكاره،وأجدها ضرورية .
فاللغة بدون أفكار كالأشجار الذابلة،والأفكار بلا لغة كالبيت بلا أبواب .
إذن هناك شيء ناقص،وإذا زاوج الإنسان بين الفكر واللغة فلح في عرض أفكاره .
