عندما تتحول الجامعة العمومية من فضاء للارتقاء الاجتماعي إلى عبء مالي: رسوم التوقيت الميسر في ميزان العدالة الاجتماعية
المغربية المستقلة : صفاء جمال
بعد الجدل الذي أثاره اعتماد شروط جديدة للولوج إلى بعض المسالك الجامعية، يتجدد النقاش في المغرب حول مستقبل الجامعة العمومية وحدود مجانية التعليم العالي، في ظل التوجه نحو فرض رسوم مالية على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية ضمن نظام التوقيت الميسر. وقد أثارت هذه الرسوم موجة من الانتقادات، خصوصا في أوساط الطلبة والموظفين محدودي الدخل، الذين يرون فيها عبئا ماليا إضافيا قد يجعل متابعة الدراسة العليا أكثر صعوبة بالنسبة إلى الفئات الاجتماعية الهشة.
وتأتي هذه التطورات في سياق أعلنت فيه الجامعات اعتماد رسوم موحدة للتكوين بالتوقيت الميسر ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027، تصل إلى 5,000 درهم بالنسبة إلى الإجازة، و15,000 درهم بالنسبة إلى الماستر، و20,000 درهم سنويا بالنسبة إلى الدكتوراه خلال السنوات الأربع الأولى.
ومن منظور سوسيولوجي، لا يمكن النظر إلى هذه الرسوم باعتبارها مجرد أرقام مالية، لأنها ترتبط مباشرة بمسألة أعمق تتمثل في تكافؤ الفرص التعليمية وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. فالموظف أو الأجير الذي يرغب في استكمال دراسته لا يدخل الجامعة بالضرورة من الموقع الاقتصادي والاجتماعي نفسه الذي يدخل منه غيره؛ إذ قد يكون راتبه محدودا، وله التزامات أسرية ومهنية، وقد اضطر أصلا إلى اختيار التوقيت الميسر حتى يتمكن من الجمع بين العمل والدراسة.
ومن هنا يطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن يكون التوقيت الميسر مجرد خدمة إضافية ذات كلفة، أم أنه يتحول عمليا إلى مسار تعليمي مرتبط بالقدرة على الدفع؟
للإجابة على هذه الإشكالية، يمكن القول أن الفصل بين التعليم الجامعي العادي والتكوين بالتوقيت الميسر قد يكون له ما يبرره من الناحية التنظيمية والمالية، وقد أكدت شبكة عمداء الكليات أن المجانية لم تُلغ بالنسبة إلى التكوين الجامعي العادي، وأن التوقيت الميسر يمثل عرضا إضافيا موجها إلى فئات محددة. غير أن الإشكال الاجتماعي يظل قائما عندما تصبح القدرة المادية عاملا مؤثرا في إمكانية الاستفادة من مسار تعليمي يناسب ظروف الموظفين والأجراء.
وفي هذا السياق، فإن ربط الاستفادة من التكوين بقدرة الفرد على الأداء قد يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى تكريس ما يمكن تسميته بالتفاوت في فرص الارتقاء العلمي؛ فالفرد الذي يمتلك دخلا مرتفعا يستطيع تحمل تكاليف الدراسة، بينما قد يجد الموظف محدود الدخل نفسه أمام مفاضلة صعبة بين متطلبات الحياة اليومية ورغبته في مواصلة تكوينه الأكاديمي.
كما أن النقاش لا يجب أن يتوقف عند مسألة الرسوم وحدها، بقدر ما يجب أن يمتد إلى معايير الانتقاء والولوج إلى التعليم العالي. لذلك فإن فالنقطة الدراسية، رغم أهميتها، لا يمكن اعتبارها وحدها مؤشرا شاملا على التفوق أو الكفاءة العلمية. إذ قد تتأثر النتائج الدراسية بعوامل اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية متعددة، من قبيل جودة التعليم السابق، الظروف الأسرية، الإمكانات المادية، الولوج إلى الموارد التعليمية والبيئة الجامعية.
وبالتالي، فإن اختزال الاستحقاق الأكاديمي في المعدل وحده قد يؤدي إلى إغفال أشكال أخرى من التميز، مثل القدرة على البحث والتحليل والنقد والإبداع والمبادرة العلمية. كما أن التميز لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز اجتماعي، ولا ينبغي أن تصبح الوضعية المهنية أو القدرة المالية معيارا غير معلن لتحديد من يستطيع مواصلة مساره الأكاديمي ومن يعجز عن ذلك.
ومن هذه الزاوية، فإن الموظف لا يصح أن يُنظر إليه باعتباره أكثر استحقاقا من الطالب غير الموظف، كما لا يجوز، في المقابل، معاملته باعتباره أقل استحقاقا بسبب وضعه المهني؛ فالمعيار الأساسي في الولوج إلى التكوين الأكاديمي يجب أن يقوم على الكفاءة والاستحقاق العلمي، مع مراعاة مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
إن الجامعة العمومية بهذا المعنى، ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، وإنما هي إحدى أهم آليات الحراك الاجتماعي وإنتاج المعرفة وتكوين الرأسمال البشري. وعليه، فإن أي إصلاح مالي أو تنظيمي يتعين أن يضع في صلبه سؤالا أساسيا: كيف يمكن تحسين جودة التعليم وتمويل الجامعة دون أن تتحول الكلفة المالية إلى حاجز أمام الفئات محدودة الدخل؟
والحد من هذه الإشكالات لا يكون فقط بإلغاء الرسوم أو الإبقاء عليها، وإنما يحتاج إلى مقاربة متكاملة تقوم على توسيع المنح والمساعدات الاجتماعية، ووضع رسوم تراعي القدرة على الأداء، وإقرار إعفاءات للفئات الهشة، وضمان شفافية معايير الانتقاء، وعدم اختزال الكفاءة في النقطة وحدها، إلى جانب توفير مسارات جامعية مرنة تتيح للموظفين والأجراء مواصلة تكوينهم دون أن يتحول العمل إلى عائق أمام الحق في التعلم.
فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس امتيازا تمنحه القدرة الشرائية، وإنما هو استثمار في الفرد والمجتمع والدولة. فكلما اتسعت دائرة المستفيدين من المعرفة، اتسعت معها إمكانات التنمية والحراك الاجتماعي. أما عندما تصبح القدرة على الدفع شرطا فعليا للاستفادة من مسارات تعليمية معينة، فإن السؤال لا يعود فقط: كم تبلغ تكلفة الدراسة؟ ولكن يصبح السؤال الأهم: من يستطيع أن يدفع ثمنها، ومن سيجد نفسه خارجها؟
