بعد أحداث كلميم الأخيرة الناشط الحقوقي “لحسن أوبلا” يكتب : آن أوان المكاشفة والمساءلة

المغربية المستقلة : بقلم لحسن أوبلا

بعد الاحتجاجات التي شهدتها مدينة كلميم وما رافقها من أعمال عنف وتخريب مرفوضة ومدانة ، كنا أوائل من بادروا إلى إطلاق نداء واضح وصريح إلى ساكنة المدينة والجهة ، نحذر فيه من الانزلاق وراء مخططات خبيثة ومؤامرات مدفوعة من أعداء الوطن في الداخل والخارج. لم نزايد حينها ولم نركب موجة الغضب ، لأننا كنا نؤمن أن اللحظة كانت تستوجب الوقوف صفا واحدا ، لا الطعن في ظهر الوطن وهو في لحظة حرجة وصعبة.

واليوم وقد عادت الأمور إلى نصابها الطبيعي ، نرى أنه من واجبنا الأخلاقي والوطني أن نقول كلمتنا بصراحة وجرأة في ما تعيشه هذه الجهة المغلوبة على أمرها من تهميش اقتصادي واجتماعي ، ومن اختلالات صارخة في التنمية وانحرافات إدارية باتت لا تطاق.

لقد صمتنا في وقت الأزمة ، لا جبنا ولا مجاملة ولا خوفا أو تملقا للسلطة والمسؤولين ، بل إيمانا منا بأن الوطن لا يُخذل في لحظة الشدة ، وبأن الحكمة تقتضي أن لا تُشهر السيوف في وجه الدولة عندما تكون في أمسّ الحاجة إلى تضامن أبنائها. غير أن لكل ظرف سياقه ، ولكل مرحلة خطابها ، واليوم نحن أمام واقع يستوجب المكاشفة بوضوح وصراحة.

نحن أبناء جهة تسير فيها التنمية بسرعة السلحفاة ، بل لعل السلحفاة تسبقها أحيانا. جهة ترزح تحت نير الإقصاء والتهميش ، وتُعامل كأنها خارج الجغرافيا الوطنية. مدينة كلميم الجريحة تعيش وضعا مأساويا على كافة المستويات ، بدءا من تردي الخدمات الأساسية ، مرورا بإفلاس عدد من القطاعات ، وصولا إلى فساد المؤسسات المنتخبة وهيئات المجتمع المدني التي تحولت إلى واجهات فارغة لا تمثل سوى مصالح ضيقة.

وسنقف مطولا أمام ما يحدث في قطاع الصحة ، أو بالأحرى “مستشفى الموت” بكلميم ، الذي أصبح رمزا للذل والإهانة ، وصورة قاتمة عن حال قطاع بات في أسوأ مراحله التاريخية بوادنون. ورغم محاولات البعض التستر على الفشل الذريع لبعض المسؤولين ، فإن الحقيقة تفضح نفسها : لقد تحول هذا القطاع إلى مزرعة خاصة تتحكم فيها الولاءات القبلية والمحاباة والريع الوظيفي ، وكأننا أمام كيان مستقل لا يخضع لا لسياسات الحكومة ، ولا لتوجيهات جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

فهل هذا القطاع تابع للسياسات العمومية للمملكة المغربية أم أنه كيان متمرد يتصرف كإمارة خاصة فوق القانون ؟ هل نحن أمام قطاع صحي ، أم أمام امتياز مغلق شبيه برخص أعالي البحار والمقالع والنقل ؟ هذه أسئلة مشروعة يجب أن تُطرح بصوت عال.

كما سنتطرق إلى شكل آخر من أشكال الريع المستشري ، هذه المرة داخل القطاع الفلاحي ، حيث تُصرف الأموال العامة بدون حسيب أو رقيب في مشاريع لا تُراقب وخطط لا تُنفذ ، وميزانيات تتبخر دون أثر ملموس في حياة الفلاحين أو تنمية المجال القروي.

إننا لا نكتب هذه الكلمات بدافع النقد من أجل النقد ، بل إيمانا بأن النقد الصادق والمسؤول والمرتكز على حب الوطن هو أرقى أشكال الوطنية. لأننا نرفض أن نكون شهود زور على اغتيال الأمل في جهة تستحق أن تكون في قلب المشروع التنموي لا في هامشه.

ملاحظة لابد منها :

قد يخرج من يقول إنني قبل يومين أو ثلاثة فقط ، كنت أنادي بوقف الاحتجاجات والدعوة إلى التهدئة ، وها أنا اليوم أوجه النقد وأرفع الصوت. لهؤلاء أقول: إن مواقفي ليست ارتجالية ولا تُبنى على ردود الأفعال ، بل تنطلق من منظومة قيمية واضحة أساسها الدفاع عن كيان الدولة وثوابتها ومؤسساتها ، وأعتبر هذا الالتزام مسؤولية تاريخية ، أخلاقية ووطنية لا يمكن التنازل عنها أو التلاعب بها.

لم ولن أنخرط يوما في أي مؤامرة تستهدف أمن واستقرار البلاد ، ولن أكون يوما أداة في يد من يسعون إلى زعزعة تماسك هذا الوطن أيا كانت الشعارات التي يرفعونها. لكنني في الآن ذاته أُدرك أن لكل مرحلة خطابها ، ولكل ظرف سياقه ، وأن الصمت في لحظة ما قد يكون أبلغ من الكلام ، والعكس صحيح.

إن موقفي هذا لا علاقة له بتضارب المبادئ أو ازدواجية الخطاب ، بل هو انعكاس لفلسفتي الخاصة في فهم الواقع وتحليل اللحظة ، وأنا منسجم تماما مع أفكاري ومبادئي وقناعاتي. من السهل أن تردد الكلام ذاته في كل الأزمنة ، لكن الأصعب هو أن تزن الموقف بميزان الحكمة ، وأن تتكلم حين يكون للكلمة معنى ، وتصمت حين يكون للصمت مغزى.

ترقبوا لايف مباشر قريبا إن شاء الله..

Loading...