حين تهيمن التفاهة… ويبدأ المثقفون معركة استعادة الوعي

المغربية المستقلة  : بقلم الاعلامي حسن مقرز بروكسيل

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “تيك توك”، مجرد وسيلة للترفيه أو فضاء للتواصل، بل تحولت إلى ساحة تأثير خطيرة تعيد تشكيل وعي الأفراد، خصوصًا فئة الشباب. غير أن ما يطفو اليوم على السطح ليس المعرفة ولا الإبداع، بل موجة جارفة من المحتوى السطحي الذي يختزل الإنسان في لحظات عبثية ويُفرغ النقاش العمومي من مضمونه.

الأخطر من ذلك، أن هذه “التفاهة الرقمية” لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبحت نموذجًا ناجحًا يُحتذى به، تُكافئه الخوارزميات ويُروّج له بشكل مكثف، في ظل غياب ملحوظ للنخب الفكرية والثقافية التي تركت المجال مفتوحًا أمام أصوات بلا عمق ولا مسؤولية.

هذا الفراغ لم يمر دون مقاومة. فقد قرر عدد من الأساتذة والفاعلين الجمعويين كسر هذا الصمت، والدخول إلى نفس المنصات التي كانت إلى وقت قريب حكراً على صناع المحتوى السطحي. لكن دخولهم لم يكن بدافع البحث عن الانتشار، بل انخراطًا في معركة حقيقية: معركة الوعي.

بخطاب مباشر، حاد أحيانًا، وواضح بلا مجاملة، يشتغل هؤلاء على تفكيك المغالطات، ورفع الجهل القانوني، وتنبيه المتابعين إلى المخاطر التي تحيط بهم في الفضاء الرقمي. من بين الوجوه التي فرضت حضورها في هذا السياق، الأستاذ الصوفي والأستاذ شتاتو، اللذان اختارا مواجهة الرداءة بالمحتوى الجاد، كما برز المحامي مولاي عبد الجليل الصقلي ببثوثه التوعوية التي تضع القانون في متناول الجميع، دون تبسيط مخل أو خطاب شعبوي.

هذه التجربة تكشف حقيقة أساسية: أن الصراع على منصات التواصل لم يعد صراعًا على عدد المشاهدات، بل على طبيعة الوعي الذي يُنتج ويُستهلك. فإما محتوى يكرّس السطحية ويُغذي الجهل، أو خطاب مسؤول يسعى إلى بناء مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته.

ورغم أن كفة “الترند” ما تزال تميل لصالح التفاهة، إلا أن دخول هذه الأصوات الجادة يبعث برسالة واضحة: الساحة ليست مغلقة، وإمكانية التغيير قائمة، شرط الاستمرار في المواجهة وعدم الانسحاب.

في النهاية، لا يمكن إلقاء اللوم فقط على صناع المحتوى، فالمتلقي شريك أساسي في تكريس هذا الواقع. كل مشاهدة هي تصويت، وكل متابعة هي موقف. وبين التفاهة والوعي، يظل السؤال مطروحًا: أي محتوى نختار أن نمنحه القوة؟

Loading...