التعليم العمومي رهينة المتاجرة

المغربية المستقلة  :

بقلم   :  الاعلامي حسن مقرز

لم يعد خافياً على أحد أن المدرسة العمومية، التي كانت في يوم من الأيام قلعة للعلم والمعرفة، أصبحت اليوم سوقاً مفتوحاً للربح السريع. دروس الدعم، التي كان من المفترض أن تكون وسيلة اختيارية لمساعدة التلاميذ المتعثرين، تحولت إلى وسيلة ابتزاز ممنهج يفرضها بعض الأساتذة على التلاميذ وأوليائهم.

ما يحدث اليوم جريمة تربوية مكتملة الأركان: أسئلة الامتحانات تُسحب من تلك الدروس المؤدى عنها، والنجاح لم يعد رهين الاجتهاد داخل القسم، بل بقدرة الأسرة على الدفع. من لا يملك المال يُقصى مسبقاً من سباق التعليم. فأي عدالة اجتماعية تبقى في ظل هذا الواقع؟
الأدهى أن هذه الدروس تُعطى في شقق وقاعات غير مؤهلة، في ظروف تفتقر لأبسط شروط السلامة، وبمبالغ لا ترحم. هكذا أصبح التعليم العمومي، الذي من المفروض أن يكون حقاً مجانياً، أغلى من التعليم الخصوصي نفسه!
فوزارة التربية الوطنية لا يمكن أن تظل متفرجة. صمتها اليوم صار بمثابة مشاركة في الجريمة. فإما أن تتحرك بحزم وتضع حداً لهذا العبث، عبر مراقبة حقيقية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تتحمل مسؤولية انهيار ما تبقى من مصداقية المدرسة العمومية.
فإذا كانت الوزارة جادة في حماية المدرسة العمومية وإنصاف التلاميذ، فإن عليها التحرك وفق خطوات واضحة:

1. فتح تحقيق وطني عاجل لكشف حجم الظاهرة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في ربط نتائج التلاميذ بالدروس الخصوصية.
2. تفعيل المراقبة الصارمة داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، خاصة للفضاءات غير المرخصة التي تُستغل لإعطاء هذه الدروس.
3. توفير حصص دعم مجانية داخل المدارس العمومية وبإشراف مباشر من الإدارات التربوية، حتى لا يبقى الدعم حكراً على من يملك المال.
4. ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر عقوبات إدارية ومالية وقضائية ضد من يثبت استغلاله للتلاميذ.
5. تحفيز الأساتذة الملتزمين الذين يقدمون دعماً داخل المؤسسات بشكل تطوعي أو في إطار رسمي، حتى يبقى المثال الجيد حاضراً.

وفي الختام :

نقولها بصراحة: التعليم لم يعد قضية تقنية ولا مجرد قطاع إداري، بل صار معركة مصيرية. فحين يُترك الأستاذ ليستغل تلاميذه، وحين تُحوَّل المدرسة إلى مصدر للتمييز الاجتماعي بدل أن تكون أداة للارتقاء، فنحن أمام خطر وطني لا يقل خطورة عن أي تهديد آخر.

التعليم ليس سلعة، ولا يمكن أن يكون امتيازاً لمن يملك المال. هو حق، وحق للجميع. وإصلاح التعليم يبدأ من كسر هذا الابتزاز الذي ينخر جسد المدرسة العمومية بلا هوادة.

Loading...