المغربية المستقلة : سيداتي بيدا
في خطوة وُصفت بأنها دفاع عن السيادة التربوية، قررت السلطات الموريتانية منع تسجيل أبناء المواطنين في المدارس الأجنبية. وهو قرار قد يبدو للوهلة الأولى وطنيًا، بل وحتى جريئًا، إذا ما نُظر إليه من زاوية حماية الهوية الثقافية وتعزيز التعليم العمومي. لكن الحقيقة أن هذا القرار، في صيغته الحالية، يُعاني من قصور جوهري يجعله أقرب إلى الاستعراض السياسي منه إلى الإصلاح الحقيقي.
فالقرار، وإن كان ظاهره الإصلاح، إلا أنه تجاهل أحد أخطر مظاهر انهيار المنظومة التربوية: هجرة الكفاءات التربوية من التعليم العمومي إلى المدارس الخاصة، بل والأجنبية تحديدًا. فكيف يُمكن للدولة أن تُقنع المواطن بالعودة إلى المدرسة العمومية، في حين أن أفضل معلميها يعملون صباحًا في القطاع العمومي، ومساءً في مؤسسات الصفوة؟
كيف تُمنع الأسرة الموريتانية من اختيار مدرسة أجنبية، بحجة السيادة، بينما يُسمح للمعلم المتعاقد مع الدولة، والذي يتقاضى راتبه من المال العام، ببيع خبراته لتلك المؤسسات ذاتها؟ أي منطق إداري هذا؟ وأي إصلاح يمكن أن يُكتب له النجاح وسط هذا التناقض الفج؟
إن مصداقية القرار التربوي تنهار عندما يُستثنى المعلم من معادلة الإصلاح. فلا معنى لأي محاولة لضبط خيارات أولياء الأمور، بينما لا يوجد أي ضبط لممارسات موظفي التعليم أنفسهم. بل إن بقاء هذا الوضع القائم يُكرّس تعليمًا بطبقتين:
تعليم عمومي متروك للإهمال،
وتعليم خاص يستأثر بالكفاءات والخبرة، يُفتح لأبناء النخب، ويُغلق في وجه البسطاء.
الإصلاح يبدأ من المعلم.. لا من تقييد الأسرة
إذا كانت الحكومة جادة فعلًا في إعادة الاعتبار للمدرسة الوطنية، فلتبدأ أولًا بإعادة الانضباط إلى صفوف المعلمين، عبر منع الجمع بين الوظيفة العمومية والتدريس في القطاع الخاص. فالمعلم الذي يعمل في مؤسستين لن يُعطي لأي منهما حقها، بل سيبحث عن حيثُ يكون الربح أكثر، والرقابة أقل.
بل إن هذا الوضع لا يُفرغ التعليم العمومي من كفاءاته وحسب، بل يخلق شبكة مصالح معطّلة للإصلاح، حيث تتغوّل المدارس الخاصة، وتضعف الرقابة، وتضيع مصلحة التلميذ، التي هي – أو هكذا يُفترض – جوهر العملية التربوية.
كفى ترقيعًا.. نريد إصلاحًا جذريًا
القرارات الشجاعة لا تكون فقط في منع المواطن من الاختيار، بل في مواجهة البُنى الريعية داخل النظام التربوي نفسه. وأولها: ازدواجية المعلم.
