أحزاب موسمية.. وعود مستهلكة.. والمواطن الخاسر الأكبر

المغربية المستقلة  : بقلم الاعلامي حسن مقرز/  بروكسيل

لا يكاد يقترب موسم الانتخابات حتى تُفتح أبواب السماء لوابل من الوعود الجديدة، وتخرج من تحت الركام أحزاب “شابة” تتحدث بلسان التجديد. فجأة يكثر الكلام عن الإصلاح، عن التغيير، عن دولة القانون، عن “المرحلة الجديدة” التي ستبدأ غداً. مشهد مألوف حتى صار مثيراً للسخرية أكثر من كونه باعثاً على الأمل.
المشكلة ليست في فكرة ظهور أحزاب جديدة بحد ذاتها، بل في السياق الذي تولد فيه. أحزاب تظهر بين ليلة وضحاها، وكأنها بُنيت في استوديو انتخابي مجهّز بالأضواء والشعارات، لا في ميدان السياسة والاحتكاك اليومي بالناس. أحزاب بلا جذور اجتماعية، بلا عمل قاعدي، بلا حضور فعلي في حياة المواطن. إنما مجرد لافتة، تُرفع وقت الحاجة ثم تُطوى في أدراج النسيان بعد أن تُغلق الصناديق.
الأدهى من ذلك أنّ هذه “الولادات المتأخرة” لا تحمل جديداً في خطابها. نفس الكلمات البالية: “التنمية”، “العدالة”، “محاربة الفساد”. كلمات فقدت معناها من كثرة تكرارها بلا أثر على الأرض. المواطن الذي يُستدعى كل بضع سنوات ليُساق إلى صناديق الاقتراع بات يدرك أنّ هذه الوعود ليست سوى سلعة معلبة تُسوّق موسميّاً ثم تُسحب من السوق بمجرد انتهاء الموسم.

الحقيقة التي يرفض كثير من الساسة الاعتراف بها هي أن العمل الحزبي لا يُختزل في الحملات الانتخابية. الحزب ليس بالونات وملصقات وصور مرشحين؛ بل هو مؤسسة اجتماعية وسياسية تُرافق المواطن في قضاياه اليومية، تدافع عنه في البرلمان كما في الشارع، تبني برامج واقعية لا وعود خيالية. الحزب الذي لا يسمع الناس صوته إلا في مواسم الانتخابات ليس حزباً، بل واجهة إعلامية مؤقتة.
ومن هنا، يصبح من المشروع أن يتساءل المواطن بمرارة:
لماذا لا نسمع عن هذه الأحزاب إلا في الأسابيع التي تسبق الاقتراع؟
لماذا لا تنشغل طوال السنوات بمعالجة مشاكل البطالة، وارتفاع الأسعار، وتدهور التعليم والصحة؟
ما قيمة حزب يخرج إلى النور فقط ليخوض الانتخابات، ثم يختفي كأنه لم يكن؟
إنّ هذه الظاهرة ليست مجرد “ضعف في الأداء الحزبي”، بل هي إفلاس سياسي. أحزاب من ورق تُستخدم كورقة ضغط أو أداة مقايضة للحصول على موقع في السلطة أو نصيب من الغنيمة. أحزاب لا تملك مشروعاً وطنياً بقدر ما تملك طموحاً شخصياً لزعيمها أو مؤسسيها.

في النهاية، الخاسر الوحيد هو الثقة الشعبية. فحين يرى المواطن هذا العبث يتكرر، يفقد ثقته ليس فقط في الأحزاب الجديدة بل في العملية السياسية برمتها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يتحول العزوف عن المشاركة من موقف احتجاجي إلى قناعة راسخة بأن اللعبة السياسية لا جدوى منها.

لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: لا إصلاح بلا أحزاب حقيقية. الأحزاب الحقيقية لا تولد في موسم الانتخابات، ولا تعيش على الشعارات المستهلكة. هي ثمرة عمل طويل، وتضحيات، وحضور دائم في الميدان. أما هذه الكيانات الطارئة فهي مجرد سراب يلمع في الأفق الانتخابي، سراب يبيع الوهم ثم يترك العطش كما هو.

الانتخابات القادمة ستنتهي، لكن السؤال الذي سيبقى: هل نريد حقاً حياة سياسية متجددة، أم أننا سنكتفي بتكرار المسرحية ذاتها، بوجوه جديدة وشعارات لامعة، لكن على خشبة مهترئة فقدت مصداقيتها منذ زمن؟

Loading...