محمد الصغير يُفجّر “صمت الدولة” ويضع مليلية على طاولة السيادة : “مليلية ليست إسبانية… ولن تكون كذلك أبداً”

المغربية المستقلة  : إبراهيم بن مدان

في سابقة غير معهودة على الساحة السياسية المغربية، خرج محمد الصغير، نائب رئيس جماعة بني أنصار الحدودية، عن المألوف ليُشعل نقاشاً سيادياً ظلّ لسنوات حبيس التوجيهات والتعليمات الدبلوماسية. في وقتٍ التزمت فيه الدولة صمتًا رسميًا مطبقًا حيال وضعية الثغور المحتلة، أطلق المسؤول المحلي، من عمق الريف، رسالة صادمة، استوقفت الصحف الإسبانية وأربكت صُنّاع القرار في مدريد: “مليلية ليست إسبانية ولن تكون كذلك أبدًا.”

التحليل الذي خصصته صحيفة “لارسون” الإسبانية لما نشره الصغير، يُؤكد أن التصريح لم يمر مرور الكرام. فالأمر لم يعد يتعلق بمجرّد تعليق سياسي عابر، بل بتحدٍّ مباشر لمنطق الاحتلال، صادر عن مسؤول منتخب يمارس صلاحياته على مقربة من الأسلاك الشائكة التي تفصل المدينة المحتلة عن ترابها الأصلي.

في وقت يبدو فيه الخطاب السياسي الرسمي متحفّظًا أو محكومًا بإكراهات العلاقات الثنائية، جاءت خرجة الصغير لتُعيد الاعتبار إلى نبض الشارع المغربي. فقد عبر دون مواربة عن رفضه لأي تطبيع ضمني مع استمرار الاحتلال الإسباني لمليلية، مُقترحًا أن يتم اعتماد تاريخ 17 شتنبر، الذي تحتفل فيه مدريد بـ”الحكم الذاتي” للمدينة، كيوم وطني مغربي للكرامة والمقاومة.

رسالة الصغير لم تكن انعزالية ولا مزاجية، بل جاءت على خلفية سياق شعبي يزداد غليانًا داخل الثغرين المحتلين، حيث بدأت تنطلق تحركات سلمية تطالب بإعادة فتح الحدود كما كان معمولًا به قبل إغلاقها، دون جوازات سفر أو تأشيرات، ورفع القيود الجمركية التي عمّقت عزل السكان عن امتدادهم الجغرافي والاقتصادي المغربي.

حين يتكلم الريف… تصمت مدريد

إسبانيا لم تُخف قلقها من هذه التصريحات، لا سيما وأن صاحبها منتخب شرعي، يمثّل منطقة تماس حساسة، ويعبر عن وجدان ساكنتها. ما أطلقه الصغير يمثل إحياءً لمطلب ظلّ راسخًا في الذاكرة الشعبية الريفية، بأن مليلية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل أرض مغربية سُلبت قسرًا وتنتظر العودة.

وفي رد لافت على حاكم مليلية المحتلة، كتب الصغير: “مليلية لن تكون أبدًا إسبانية، فهي جزء لا يتجزأ من تراب قبيلة قلعية في الريف المغربي. يا إمبروضا، افهم التاريخ قبل أن تتحدث باسم ما لا تملك!”
ردٌّ صريحٌ اختزل عقوداً من الصراع الرمزي، ليعيد المدينة إلى مكانتها الأصلية في الوعي الوطني، بعيدًا عن المساومات والازدواجية الخطابية.

خرجة محمد الصغير لم تكن مجرد فعل احتجاجي، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لوضع سياسي مركّب، حيث يشتكي المواطن من فراغ المبادرة، بينما تظل الدولة مترددة في كسر الخطوط الحمراء المفروضة دوليًا. ما عبّر عنه الصغير قد يُمثّل بداية تحوّل في تعامل الفاعلين المحليين مع الملفات السيادية، انطلاقًا من القرب الترابي والرمزي، لا من مكاتب مكيفة في العاصمة.

المفارقة الصادمة أن من يُعبّر عن هذه المواقف هم أصوات من الهامش، بينما تستمر مؤسسات الدولة في التماهي مع “المنطق الواقعي” دون أن تبادر لتصحيح المسار. فهل يُفهم من رسالة الصغير أنها دعوة ضمنية للرباط كي تتوقف عن الاكتفاء بردود الفعل، وتبادر لإعادة هيكلة خطابها السيادي؟ وهل آن الأوان لإدخال ملف مليلية وسبتة المحتلتين في أجندة التحول المغربي الجديد إلى دولة إقليمية قوية بقراراتها؟

وفي الوقت الذي يُراد فيه من المغاربة أن “يتفهّموا واقع الاحتلال بحكمة”، يبدو أن محمد الصغير قد اختار أن يفهم التاريخ كما هو، لا كما يُروّج له في البلاغات الرسمية. فالمسألة ببساطة: مليلية مغربية، شاء من شاء ورفض من رفض. ومن لم يفهم الدرس اليوم، فالأرض كفيلة بتعليمه غدًا… حتى لو احتاج إلى ترجمة “أمازيغية” لتاريخ لا يُنسى!

Loading...